ثقافات

أجفان الليل.. مغامرة شعرية أخرى/ الشيخ نوح

أرواحنا حب يعمر سنبلكْ
وستنحني أبدا تُقبل أرجلكْ

قد كنت خير مؤمل
خُتمت به خُطب السماء
وأنت تخدم مرسلكْ..

كانت
على سبل الهداية ظلمة
وعلى الزمان رحى تدور..
وقد حلكْ!

فبُعثتَ كي تحيا الحياة..
وينجلي هام الحقيقة،
حيث ترفع مشعلكْ..!

قد نلت من نور العطية أوجها بيضاء
تصعد بالسلوك
لمن سلكْ!

تجثو لك الدنيا
وكل جبالها قالت:
أنا التبر المكرر.. هيت لكْ.

منذ مفتتح نبوءته الشعرية في ديوانه الأول “أوجاع الطين”، مرورا ب”الأسوار” و”أرماس السراب” ثم “أجفان الليل” ووصولا إلى “أسفار الموتى” الذي لم يطبع بعد، تتلطخ تجربة الشاعر القاضي محمد عينين باليومي والمؤرق والمنسي، محاولا إعادة المياه إلى مجاريها فيما يتعلق بعلاقة الشاعر بالواقع والمحيط والتحت.
ولعل ما يلفت في تجربة القاضي بالتحديد هو بروز نفَس الالتزام بأوجاع الناس في قصائده، حتى في تلك القصائد التي قد تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن هذا الموضوع كقصائد المديح النبوي مثلا، وقد لا يأتي ذلك تصريحا في النص ذاته- وإن كان يحدث غالبا- ولكنه يأتي أيضا من سياق النص داخل مجموعة النصوص الأخرى حاملا رسالة قد لا يخطئها القارئ، ففي هذه المجموعة على سبيل افتتحها الشاعر بمديحية “غيمةُ صحراء” مذكرا بقدوته الأولى وبزمان العدل والمساواة في إدانة واضحة للحظته الراهنة، وإشارة بليغة إلى حجم الخيبات والأوجاع التي يحترق فيها أهل القاع في زمنه المسور بالملح والجرب.
إن الشاعر هنا لا يقيم حدودا بين الذاتي والموضوعي في تجربته الشعرية، ولا يكتب بشكل منفصل وانفصامي، بل القصيدة عنده مكتظة بكل شيء، وموحية بأشياء كثيرة، وإن بدت هذه الاشياء في ظاهرها متناقضة، ولكن مهلا، أليست الحياة أصلا قائمة على الصراعات والتناقضات الداخلية؟.
أليست صيرورة التاريخ بهذا المعنى عبارة عن سلسلة من التناقضات المتفاعلة فيما بينها، والتي كلما أدت إلى إنتاج وحدة جديدة تتولد من عناصر تلك الوحدة تناقضات أخرى؟..
إن القصيدة في ضوء هذا الكلام ليست خطبة باردة ولا موعظة وثوقية، إنها عالم مشحون بالاتجاهات المتعاكسة والمتجادلة.. وبالشك أيضا.
إلا أن هناك سمة أخرى في هذا الديوان بالذات – كما في بقية الدواوين- وهي أن الموضوع مهما كان مختلفا فإن الشاعر يقاربه من وجهة نظر دينية دوما، وإن كنا نرى أن المعرفة بهذا المعنى لا يمكن فصلها أي أننا نقول بوحدة المعرفة l’unité du savoir فالديني يتضمن فيما يتضمن أيضا الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وهنا تصبح المقاربة من وجهة نظر واحدة قد تحول الموضوع إلى خطاب يضخم الصورة من زاوية ويهمل زوايا أخرى، أنتربولوجية وسوسيو-ثقافية واقتصادية؛ لا يمكن فهم أية ظاهرة اجتماعية دون أخذ كل هذه الأبعاد بعين الاعتبار، خصوصا أن الشاعر يتناول بصيغة أو بأخرى ظواهر اجتماعية ذات علاقة بالعدالة الاجتماعية، وبالظلم والتهميش والإقصاء الممارس ليس فقط على الذات الشاعرة، وإنما على أسس تتخذ من الفرز اللوني والتراتبية الاجتماعية منهجا لها، سواء كان ذلك المنهج واعيا أو كان ضمن الأنساق المضمرة والمتخفية خلف مقولات كثيرة، تومض ولا تضيء، تشي ولا تصرح.
صحيح، أن الطبقة العليا من الوعي بالنسبة لنا كأفراد نشأوا في بيئة تقليدية؛ وفضاء اجتماعي ومعرفي منغلق؛ تقترح دوما قراءات وفهوما تمتُّ للتراث والفقه بصلة، ولكن المثقفين والطليعة يجب أن يكابدوا معرفيا ونقديا، لرؤية ما هو أبعد من الطبقات العليا التي تؤثث النسق الاجتماعي والاقتصادي المتحكم.
لا يعدم المرء وهو يتجول في مدينة المجازات هذه الالتقاء بنقمة صارخة على هذا الواقع البائس لمجتمع الشاعر، وخاصة لطبقاته المهمشة والمهشمة بفعل تراكمات تاريخية، وبفعل أيضا استمرار ذات الأنساق في العمل، وقد تصل هذه النقمة والرفض درجة أن يدعو الشاعر إلى الثورة على هذه الأوضاع المزرية بملء فيه، يقول في “ضاربة الرمل”:
والعابرون مدار الظل
قد رصدوا مثل الصحون..
بماذا تنبئ النذرُ؟

قالت جهينة:
للتأريخ أجنحة..
جناح زور..
وآثار لها حفرُ

وصمتُ ظل
عبثتم في جوارحه يمشي إلى الليل
حتى تلّه العمرُ..
تستشرقون مدار الشمس
منقلبا..
والآن تشرقُ
من أردانه العبرُ!

ثوروا على التيه..
قد ضاعت معابدكم..
فثورة الظل قد يأتي بها الشجر!

إن الشاعر ينحاز بشكل واضح ونهائي وصارم إلى أوجاع الشارع وشجونه، ولعل مما كنت آخذه على الشعر الموريتاني منذ سنوات هو هذا الانفصام عن الواقع، هو هذا الانبتات عن الناس، كانت مشكلتي مع الشعر الموريتاني حينها هو أنه يجلس على طاولة وحيدا في مقهى أنيق ويشرب القهوة ويدخن الشيشة ويهدي باقة من الورد في مدينة لم تكن تعرف وقتها المقاهي ولا الورود.
وفي تقديري أعتقد أن الشاعر القاضي؛ هو أحد الذين كسروا هذه القاعدة، واكتشفوا خوارزمية الحياة بكل تفاصيلها وآلامها وقبحها المتجذر، ولكن أيضا بمباهجها وغواياتها التي تجعلها تطاق.
فإذا كان الشاعر يلتحم بالجماهير، ويختلط بالشارع، وإذا كان الرفض هو الجناح الأول لطائر الشعر؛ فإن الجناس الثاني هو الحب، ولهذا نجد القاضي متلبسا بالغزل مع امرأة ما، ولا ندري هل ذلك بين السطور فقط أن للأمر علاقة بواقع. كل ما نعرفه أنه يسافر بنا عبر هذا الزخم والتدفق الشعري إلى صورة عشق راسخ وجريء:
نامي على رئتي
التي عصفت بها صولات قلب
واستثارة مؤنس..

قد تقْبلين من الخيال ستائري
أو تحلُمين
على مفارش سندسي؟

مجدي
بصولة ناهديك جعلتُه أملا
تعلق في مخاطف
نورس..

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى