تحليلات

المناورة الأخيرة لولد بوعماتو

أمين ولد شيغالي

محمد ولد بوعماتو هو رجل أعمال موريتاني، وطيد العلاقة بالأنظمة الموريتانية المتعاقبة، و قد جنى ثروته المثيرة للجدل من خلال استفادته من امتيازات خاصة خلال نظام ولد الطائع، و كان أحد أهم داعمي الانقلاب على الرئيس الموريتاني المنتخب سيدي ولد الشيخ عبد الله، غير أن علاقاته مع ولد عبد العزيز شهدت توتراً كبيراً في السنوات الأولى من حكم الأخير، و قد ظلت أسباب ذلك مجهولة، رغم الشائعات و التأويلات التي أرجعتها لأكثر من سبب.

انتقل الرجل للإقامة في قصره في مراكش، و بدأ يعارض النظام في موريتانيا معارضة محتشمة، ظلت تتسارع وتيرة عاماً بعد عام، كما ظلت وتيرة استهدافه تواكب وتيرة نشاطه المعارض حذوَ النعل بالنعل، إلى أن كانت نازلة رفض مجلس الشيوخ الموريتاني للتعديلات الدستورية، المقترحة من طرف نظام ولد عبد العزيز، حيث صرّح محمد ولد غده السيناتور المقرب من ولد بوعماتو خلال جلسة مع المدونين “أن ولد بوعماتو كان موجوداً بقوة خلف رفض الشيوخ للتعديلات الدستورية”، و البدَهي أن وجود ولد بوعماتو السياسي لا يكون إلا من خلال أمواله، و من هنا بدأ النظام يبحث عن خيوط تؤكد ما ألمح له ولد غده، غير أن الحصول على دليل الإدانة تم أيضا عن طريق ولد غده، الذي تمت، خلال حادث سيره على طريق روصو، مصادرة هواتفه و اختراقها من طرف خلية المستشار احميده ولد اباه، و تسريب رسائل صوتية أتخذت منها الدولة دليلاً على الاتهام الذي وجهته لولد بوعماتو بـ “رشوة الشيوخ”. و من هنا استصدرت مذكرة توقيف دولية في حق ولد بوعماتو و بعض المقربين منه، كما تم الضغط لإبعاده عن المغرب.

انتصر ولد بوعماتو على نظام ولد عبد العزيز في إحدى جولاته حين أبطلت الأنتربول مفعول مذكرة التوقيف الدولية في حقه، مؤكدة انعدام مصداقيتها، بسبب خلفيتها السياسية. غير أن مصادر أكدت لتقدمي أن نظام ولد عبد العزيز يرفض الاستسلام للهزيمة، و يحاول إعادة الكرة من خلف ملف يتهم ولد بوعماتو بالفساد، و يعضّده بوثائق و مستندات..

و لكن هل يستطيع نظام يلفظ أنفاسه الأخيرة أن ينجح فيما فشل فيه كل السنوات السابقة؟

في إطار مناورة لربط ملف ولد بوعماتو، الذي يريده النظام ملفاً جنائياً، بمعارضة الرجل و مواقفه السياسية تم الدفع باسم ولد بوعماتو من طرف ولد غده ليضاف للائحة مرشحي المعارضة، غير أن شروط “إعلان المباديء” أقصته من اللائحة. في وقت يسعى فيه نظام ولد عبد العزيز مرة ثانية لاستجلاب ولد بوعماتو الذي يخشون من تمويله لمرشح المعارضة الموّحد، حيث يعتقدون أن توقيفه، في هذه الظروف، سيقطع الحبل السريري لجنين التغيير الذي يتمخض. فالأزمة الفعلية التي تعانيها المعارضة هي نقص الموارد. لهذا تم، بنصيحة مستشارين لرجل الأعمال المغاضب، إفشاء و نشر خبر عن “نية ولد بوعماتو الترشح لرئاسيات 2019″، و ذلك عبر قنوات لا يمكن أن يُمرّر الخبرَ من خلالها إلا بوعماتو، مثل صحيفة “موند آفريك” المحسوبة عليه، و التي تحدثت غير قاطعة عن “ترشيح محتمل”، رغم أنه من المفروض أن تكون معلوماتها عن أحد ملاّكها قطعية لا تردد فيها.

ترشح ولدبوعماتو تعترضه عراقيل واقعية كثيرة، منها استبعاد حضوره الشخصي لموريتانيا لدفع ملف الترشح، كما يمليه القانون الموريتاني، حيث لن يتردد نظام يصدر في حقه مذكرات التوقيف الدولية من اعتقاله فورَ وصوله المطار.. و كذلك استبعاد منحه شهادة تبريز و هو المطلوب للعدالة الموريتانية.. و هكذا صعوبة تسويقه في مجتمع موريتاني تتنافس فيه العشائر، بعد ثلاثة رؤساء متتالين من أبناء عمومته.. ثم أنه من المتعذر التفكير في أن ولد عبد العزيز سيتفرج على ألدّ أعداءه و أوغرهم صدراً عليه و هو يصل للسلطة.

فهل يعقل أن لا يدرك ولد بوعماتو كل تلك الحقائق؟.. و إن أدركها فما هي مصلحته في ترشح عبثي لا يضمن فيه غير الخسارة،؟ و ماهي المكاسب التي يجنيها من لقب “مرشح سابق للرئاسيات”؟!

ولد بوعماتو ليس جاداً البتة في الترشح للرئاسيات المقبلة، و لايهمه من هذا الترشح الشائعة غير ربط ملفه “الجنائي” بمعارضته السياسية، للاحتياط لأي إجراء آخر قد تقدم عليه موريتانيا لاستجلابه..

إنه ليس مرشحاً جاداً، و إنما مجرد مناور، غير أنها مناورة لا تخدم المعارضة و لا مشروع التغيير، فقد ميّعته و فتت في أعضاد الحالمين به، حيث أظهر المعارضة متخبطة و مناورة و غير جادة في تحقيق مطلب التغيير.

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى