تحقيقات

باصاتُ النقل القديمة.. “عجائزُ نقلٍ “تصارع الزمن !

مصطفى العالم

تواجه حافلات النقل التقليدية القديمة المنتشرة في شوارع “اكلينيك” صعوبات بالغة في البقاء كوسيلة نقل عريقة عراقة غيرها من وسائل النقل التقليدية القديمة “سيارات تودرواه” وغيرها.

هناك في سوق “اكلينك” تتوقف الباصات الصامدة ، مثنى وثلاث … على جنبات الطريق في انتظار من حفظ العهد من الركاب ، وعضّ على عُراه بالنواجذ.

تقدمي زارت سوق “اكلينيك” حيث مكان تجمع باصات النقل التقليدية للوقوف على معاناة أصحابها، ورأي الركاب فيها.

الشيخ ولد اغماد : رجل أربعيني يمتلك باصاً متهالكاً ، يقول إنه يعمل في النقل منذ 29 سنة ، التقيناه وتحدث لنا بمرارة عن واقع باصات النقل التقليدية ومعاناة ملاكها مع إهمال الدولة؛ والضرائب المجحفة التي تفرضها سلطات النقل؛ ومزاحمة حافلات النقل الكبيرة المملوكة للدولة.

يقول الشيخ إن واقع باصات النقل التقليدية واقع صعب للغاية، وإن ملاكها يعيشوون وضعا مزرياً بين مطرقة الضرائب المجحفة والمتكرر وسندان الإهمال من قبل السلطات الوصية.

يضيف الشيخ الذي يشتغل على خط (اكلينك – دار النعيم) إنه يقوم بثلاث رحلات فقط في اليوم ويجني منها 3000 أوقية فقط في أفضل الأحوال؛ بواقع 50 أوقية للفرد وأن هذا المبلغ لايكفي لتغطية ثمن البنزين الذي وصل سعره في هذه الأيام لـ 388 أوقية قديمة؛ وكذا مصاريفه الخاصة كرب أسرة.

وجه آخر للمعاناة..

يقول الشيخ الذي يعيل أسرة تتكون 4 أفراد من بينهم أطفال قاصرون وبالغون أن ما يجنيه من العمل في هذه الوظيفة لايكفي لتغطية مصاريف دراسة أولاده في المحظرة، وأنه يكافح للحفاظ على أولاده القُصر من الانزلاق في متاهات العصابات، وما يمنعه من ترك العمل في هذه المهنة هو فقط خوفه على أسرته من الضياع ، لذا يتساءل : كيف لمن يعيش وضعية كهذه أن يضايق في وسيلة عيشه الوحيدة وتفرض عليه الضرائب المجحفة، ويتعرض للإهمال المستمر.

ضرائب مجحفة.. وإهمال.. ومطالب

يقول ملاك الباصات التقليدية إنهم يدفعون 48 ألف أوقية مقابل أوراق التأمين “آصيرانص”، لأن ساطات النقل تلزمهم بذلك، كما أنهم يدفعون نفس المبلغ مقابل الضريبة السنوية للدولة “فينييتْ”، هذا فضلاً عن مبلغ 2000 أوقية كضريبة للمجموعة الحضرية (المجلس الجهوي الجديد).


لهذا يطالب الشيخ السلطات بالالتفات إلى ملاك الباصات القديمة كفئة لها تاريخها في النقل التقليدي ومساعتهم على شراء باصات أكثر حداثة، وتخفيف الضرائب عنهم.

رحلة في الباص..

ذهبنا في رحلة على متن أحد الباصات التي تسلك خط (اكلينيك – توجونين) وصلنا متأخرين للباص ، دلفنا داخله، تبدو كل المقاعد مشغولة، بل إن بعض الركاب اضطر للوقوف وسط الباص بين المقاعد، كان حظنا أيضاً الوقوف والإمساك بحبل مخصص للركاب الواقفين، في وضعية كهذه يكون الراكب المسكين مجبراً على إمساك الحبل بإحدى يديه خوفاً من السقوط من الباص المتمايل، وإمساك ثوبه عليه بيده الأخرى خوفاً من سرقة جيبه من محترفي النشل والتلصص داخل الباص.

انطلق الباص ذو الأبواب والنوافذ المخلوعة من المحطة، طوال الطريق كان السائق الثلاثين يتجاوز السيارت، وبعض إشارات المرور التي لم يصادف وجود شرطة أمن الطرق عندها.


في الباص لاتسمع إلا صفير الرياح وهي تدخل من نوافذ الباص – التي يبدو أنها سقطت أو نُزعت منذ فترة ليست بالقصيرة – أو طقطقات المُحصل المزعجة كلما هم أحد الركاب بالنزول.


أو أصوات قطع غيار الباص المهترئ وكأنها تنادي مالكه: ارحمني، وأحِلني للتقاعد، لقد تجاوزت سن العمل ولم أعد أقوى على شيء !


أما وجوه الركاب البائسين فقد استظهرت التعب والإرهاق، وغلب صمتهم كلامهم طوال الرحلة.

انطباعات الركاب.. وسائقي السيارات الشخصية

أثناء استقلالنا للرحلة سألنا بعض الركاب عن رأيهم في الباصات القديمة كوسيلة نقل لازالت تعمل، فاتفقوا على مناسبة ثمن تذكرتها لدخلهم، غير أنهم قالوا إنها وسيلة غير آمنة، ويعاني ركابها من سرقة جيوبهم من حين لآخر، إضافة إلى الزحام، وكثرة تسببها في الحوادث، وكونها لم تعد ملائمة للنقل الحضري في المدينة.

غير أن ج . ابو : الذي التقيناه في السوق، والذي أخبرنا أن آخر عهد له بركوب الباصات التقليدية منذ 10 سنوات خلت فقال إنه حان الوقت لتأخذ الدولة مسؤوليتها ، وتوقف باصات النقل التقليدي عن العمل، لضررها على الركاب والسيارات الأخرى ، وعدم ملاءمتها للحداثة.

أما م. ط: الذي يملك سيارة شخصية فقد سألناه هو الآخر عن رأيه في باصات النقل التقليدي فقال إنها غير ملائمة إطلاقاً للنقل اليوم، واشتكى من مشاكسات ورعونة سائقيها للسيارات الشخصية.


وأضاف : هؤلاء ليس لديهم حرج في صدم أي سيارة تواجههم وكأن الواحد منهم يريد أن يقول بجلافة “لا بأس بالتحرش بالسيارت الجديدة، في النهاية لن أخسر شيئا، لدي وسيلة نقل متهالكة ومتعودة على صدم السيارت، ولن يضرها شيء، أما هؤلاء فسيتنحون جانباً ويفسحون الطريق عند رؤية باصي قادماً، وأكسب الوقت !

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى