من باب الوضوح

أزمة الثقافة.. أسباب غير محيرة! 2-2/ محمد عبد اللطيف

تتجذّرُ أزمتنا الثقافية في كل تفاصيل حياتنا، فهي متوالية من الأزمات التي شارك الجميع في صياغة معالمها الشاملة.


حين ألقيت باللائمة في المقالة الأولى على الحركة الثقافية والمثقفين، فإن هذا لا يعني إصدار صك براءة للدولة والمجتمع من الضلوع في مآلنا الثقافي.


لقد شجعت كل البنى الحية في البلد المثقف على التنازل عن مهمته الأولى، وهي النقد: نقد المجتمع والدولة والتاريخ؛ وفي مقدمة هذه البنى تظهر الدولة التي اختطفت الثقافة وامتهنت كرامة المثقف، واستخدمت كل ذلك بشكل انتهازي فج، فالمثقف والثقافة أجبرا بطريقة ما أن يكونا مصدر دعم وترويج لفكر كل الأنظمة.


لم تكتفِ الأنظمة بهذا الانتهاز، بل هي في أحيان كثيرة تركت أولئك المثقفين للنسيان بعد الاستعمال، وأصبحوا إثر ذلك ِخلوا من أدوات التأثير، باعدت شقة الاقتراب من السلطة بينهم وبين القارئ والمتلقي!


من يصدق أن شاعرا كأحمد ولد عبد القادر الذي ألهب المخيلة في “ليلة عند الدرك” ونجا من بحار الستينات والسبعينات، وسطوة “هياكل تهذيب الجماهير” يختصر تاريخ النضال والثقافة في نص حزين يقف فيه على أطلال كفاحه كافرا بنضال الكادحين قائلا:


اليوم تعلم أن ناشئة الدجى. والذكريات الكالحات تزاح

اليوم تعلم أن زهر دجمبر غمر الوجوه نسيمه الفياح

ويصارح الحاكم في نص آخر بالحب مخاطبا شهر العقيد المفضل (دجمبر):

أحبك حبي للبلاد وإنه هو الحب لاحبا سواه فيبهر!


وتتسع معالم الدهشة مع محمد كابر هاشم (رحمه الله) إذ يعلن انتهاء تاريخ الألم بفضل انقلاب 1984 و يعلن كذلك أن:

دمع الحرائر كانون يكفكفه فاليوم لا دمعة خرساء حراء


وإذا كان الشعراء قد أشاروا خجلا إلى العقيد بشهر (دجمبر) فإن الشاعر المحشو بالنضال والخيلاء ناجي الإمام لا يجد كبير حرج في التصريح بكنية العقيد جهارا، متناسيا هروبه الشخصي الكبير من أجل الحرية قبل ذلك بأعوام، ليصرخ في بلاط العقيد:


أبا أحمد حررت شعبا مكبلا فأضحى على سامي العلا يتربع أبا أحمد فاهنأ بشعب تقوده. فإنك أنت السيف والشعب “ت َّبع”!

“الشعب تبع”!.. حسنا؛ لعل بعض أولئك ممسوس بجنون الشعراء المعهود، وليست لديهم طاقة لمقاومة جبروت السلطة، أو نفدت طاقة المقاومة لديهم في أقل الأحوال، إلا أن آخرين من نوع القادة الروحيين خضعوا لنفس التأثير السلطوي، فنرى الشيخ الوقور الخليل النحوي بعد سنوات من كتابة ملحمته الرائعة “الدرب” التي تعد بحق إحدى عيون الشعر الموريتاني، يتماهى في نص طائعي مع رغبة المؤسسة وينشد في حضرة الزعيم:


لأنت ابنه البر الذي يزدهي به وأنت الذي بوأته الأمن مقعدا وكنت بما أوليته فخر يومه فيا فخره في اليوم كن فخره غدا


ومن هذا الباب يمكن أيضا أخذ تهنئة الشيخ العلامة محمد سالم ابن عدود رحمه الله في هذه السلسلة الممتدة من المتأثرين بالخطاب الرسمي إذ يقول:


هنيئا لك العيدان فاسلم لثالث بكانون يحيي ذكره كل منصف

وليس الشعراء هم السابقون هنا، كما أنهم ليسوا هم كل أهل الثقافة، وإن كان مأزقهم أكبر لأنهم يكتبون ما يبقى غالبا؛ فهنالك نماذج باهرة من ألوان التبعية والذيلية والموالاة العمياء لجسد السلطة في تلك الحقبة السابقة وهذه الحالية.


باختصار أصبح المثقف منذ عقود أسوأ حالا من رجل الشارع، أعني من جهة قيمة التفكير ووضوح الرؤية، لقد أصبح في القاع!

وبطبيعة الحال لا يمكن محاسبة الفن على تلك (اتهيدينة) الطويلة التي انخرط فيها منذ انقلاب 1978، لأسباب كثيرة، من أكثرها وجاهة حالة التصنيف الاجتماعية التي تملي على الفنان أن يكون تابعا، إضافة إلى تفشي الأمية والجهل في الحالة الفنية بشكل عام مع استثناءات قليلة، إضافة إلى طائفة من الأسباب الأخرى.

ولكي لا تكون الحقبة (الطائعية) هي محل الاستشهاد، وكأن الداء انصرف بانصراف الحاكم، نقول إن ما حدث منذ 2005 كان امتدادا أكثر بشاعة لحالة استغلال وتحكم السلطة في الثقافة والمثقفين، لم يكن -مثلا- سارق النار محمد ولد الطالب مجرد سارق قلوب في برنامج أمير الشعراء، فهذا اللقب لم يملأ روحه، فهو يعلنها صريحة بعد ذلك في برنامج تلفزيوني بأنه يفخر أيما فخر بكونه شاعر بلاط محمد ولد عبد العزيز.


مثقفون كثر مثل سيدي محمد ولد محم ومحمد إسحاق الكنتي، وغيرهم، كانوا نماذج أكثر وضوحا لعملية الاستغلال، التي تطورت قليلا، وأصبحت تجري بشكل متفق عليه بين اليد العليا والسفلى، السلطة تبتغي غاية، والمثقف ينال الجزاء الأوفى من مناصب الدولة العليا، عكس ولد الطائع الذي لم يكن يتخيل أن المثقف حري بشيء غير “المشوي”.


كان للقبيلة دورها أيضا، فالمثقفون تحولوا في حالات كثيرة إلى حالة “الصهيل” الثقافي الذي استشرى واستفحل بسبب مواسم الانتخابات وتحسن الطاقة الشرائية بعد الجفاف وشيوع الظاهرة الاستهلاكية، ورأينا “صحفا” و “مواقع” صحفية أنشأتها القبيلة، لتتحدث باسمها وتكرس أمجادها.


والمجتمع ككل كان ضالعا في خنق الحياة الثقافية، ففي مرحلة ما كان مظهر المثقف ملتبسا في ذهن الناس بالسلبية والفقر، بل كان وصف المثقف بـ “الإطار” أقرب إلى روحه ومآربه من وصفه بشاعر في غابة الشعراء أو صحافي وغير ذلك.


أما المؤسسات الثقافية القديمة كاتحاد الكتاب والأدباء، ونقابات الصحافة والمهنيين، ودور الشباب، فقد أخنى عليها الخمول وسوء المنقلب في كل ما قدمته بتأثير الأسباب السابقة، وعدم القدرة على الاستقلالية في مجتمع لا يقدم شيئا بالمجان من أجل الثقافة.


ذات المصير طال الجمعيات الثقافية التي كانت ضحية للإيديولوجيات الوافدة، والمراكز الثقافية الدولية التي ملت وملت، و حظرت الدولة بعضها بسبب ظروف سياسية، ومات بعضها بفعل السأم، وبقيت منها شخوص لا تحمل معنى ولا عظيم ذكرى على الأقل.


إن هذا ليس وصفا متشائما، بل هو محاولة لشرح أسباب قد تكون غير محيرة أدت إلى الركود الكبير الذي اجتاح حياتنا الثقافية منذ عقود، وإن الأمل ليتصاعد الآن في الفكاك من هذه الأسر، بفعل تطور الوعي، وتطور وسائل الاتصال، وروح الحداثة،

وأخيرا؛ بفعل كفر الناس بأصنام الثقافة التي خذلت كل التطلعات.


على مشارف مرحلة جديدة في 2019 سنرى سيلا جارفا من المثقفين والمؤسسات الثقافية السائرة في مصب المرشح الأبرز، وقد لا يكون هذا سيئا بالكامل، إلا أن الأهم هو أن يصبح المثقف قادرا على نقد واقعه وتاريخه، ومؤهلا لتقديم الرؤى والتصورات حتى لو لم تكن سليمة، وتعود المؤسسات الثقافية مستقلة عن الدولة، قادرة على دعم الحركة الثقافية وتأطيرها دون التدخل في خلق محتواها.

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى