من باب الوضوح

الثيموس: “فظيمه فيكم”!

صَنّفُ أفلاطون في كتابه الرابع من الجمهورية الثيموس”THUMOS” كعنصر ثالث مكوّن للشخصية الإنسانية، وهو يعني تقدير الذات؛ ومنذ ذلك الحين حلّقتْ أفكارٌ كثيرة في نقاش هذه القيمة ودورها في مسار التاريخ، ولعلّ هيجل كان أبرز من استخدم هذه القيمة في بنائه الجدلي حين أشار إلى أن تحقيق الذات الجرمانية يشكّل انتصارًا نهائيا للتاريخ البشري، فبنظره كان التجلّي الإلهي الأول في الأقنوم الأوحد، وحين تجلّى في ذاتٍ بشرية تحقق الأقنوم الثاني، وامتدادا لهذه النظرة المسيحية انجرف مسار الجدل الهيغلي إلى العرق، برؤيته القائلة إن الأقنوم الثالث والنهائي الذي يشكّل الثالوث الحقيقي هو تجلّي الإله في العرق، من خلال وحدة وانتصار العرق الآري وسيادته المطلقة؛ كان كارل ماركس مستفزا هو الآخر حين تجاهل الحاجات المعنوية أو قام بمحو الرغبات واقترح “ثيموس” آخر يقوم على الاحتياجات المادية، بمعنى أن الاقتصاد الرأسمالي بتطوره هو المحرك الذي سيوصل البشرية إلى الحلّ النهائي بسيادة الشيوعية.

  كان أولئك الأفذاذ محل تقدير عميق في نفس فرانسيس فوكوياما دائما، وعلى تلّة من أفكارهم جميعا شيّد بناءه التفسيري وأعلن حكمه الأزلي في تسعينات القرن الماضي بنهاية التاريخ من خلال سيطرة الليبرالية الغربية وقيام النظام العالمي الجديد.

فرانسيس لايخفي هذه الصلات، فهو أفلاطوني التفكير والهوى، وليست تسمية ابنه عليه إلا إحدى تلك الصلات المعنوية، كما أن هيغل يعبث بشكل دائم بمخيّلته، وأيضا تُستفزّ تلك المخيلة حين تنبعث صورةٌ هولوغرامية من لحية كارل ماركس في خواطره، وأخيرا؛ يدين فرانسيس فوكوياما بنزعته الشمولية في التفسير لأولئك الرجال الثلاثة الذين حاولوا تماما كـ”بنكي وبرين” -وإن بعظمة أكبر وحسّ ظرافة أقل- وضعَ حلّ نهائي والسيطرة على العالم.

التنويع الأجمل في قصة فوكوياما هو استخدامه لمصطلحين في تفسير الثيموس الأفلاطوني هما “Isothymia” و “Megalothymia” والأول يعني الحاجة إلى إثبات الندية مع الآخر، والمصطلح الثاني يعني أن هذا الثيموس قد تطرف وأصبح يعني الحاجة إلى إثبات التفوّق على الآخر!

طبعا تفصيل فوكوياما يستند إلى خلفية من التحليلات الأكثر تعمّقا،من ضمنها “نظرية الدافع البشري” لإبراهام ماسلو صاحب الهرم الشهير الذي يغفل كماركس الحاجات الروحية ويصنف هاتين الحاجتين أو الدافعين في المراحل النهائية من مراحله الخمس على التوالي؛ كما يعتمد كذلك على تراث آخر يجد في فلسفة الأجوبة التاريخية عن سؤال الهوية بعض الأصول.

  ولكي لا يكون المقال شرحا فلسفيا مملاّ، نحاول أن نضفي بعض الإسقاطات والإثارة، ففوكوياما يرى أن بروز الحركات الشعوبية يعود في أساسه إلى ظهور المرحلة الثانية من الثيموس وهي الـ “Megalothymia”، ولتقريب المعنى من هذه الإضافة المهمة للفكر الفوكويامي قام صديقي المهندس سيد أحمد خطري بنقل المصطلح الأول الـ “Isothymia” إلى الحسانية بلفظة “الحاجة إلى وخيرت” وهي الدافع خلف كل الحركات الحقوقية، أو هي تطوّرها النهائي، فبعد تحقّق المطالب المادية أو بعض منها تبرز “الحاجة إلى وخيرت” كمطلب مُلِحّ، وهو واضح للعيان ومبرّر كثيرا، فنظريات النّقد الثقافي التي دخلت إلى مجالنا الأدبي على يد المرحوم محمد ولد عبدي وتظهر بجلاء في أعمال الشعراء الموريتانيين والكتاب من خلفيات حقوقية -وحتى من خلفيات تنتمي إلى الفئة التاريخية- كما تجلّت بوضوح مؤخرا في أعمال روائية حديثة مثل “عناقيد الرذيلة” لأحمد ولد الحافظ، و”أدباي” للشيخ نوح، تصبّ تلك التوجّهات جميعا في إعطاء قيمة للنّسق المهمش تراثيا ومعاملته بندّية، وتؤكّد على أصالته في اكتساب الاحترام بشكل مستحق وغير ممتنّ به، وبطبيعة الحال لم تكن هذه المرحلة المتقدّمة من الوعي لتبرز في منتصف السبعينات، فقصارى همّ الرعيل الأول من الحقوقيين كان ما يمكن أن نسمّيه تحقيق حالة “اتجمبير” أو الخلاص من نير العبودية والتبعيّة التاريخية.

لكن المصطلح الثاني وهو الـMegalothymia””  الذي يصف الحالة الأخرى، فقد قمت بنقله إلى الحسانية إكمالا لجهد الصديق المهندس، وهو يعني “الحاجة إلى فظيمه فيكم“!

ربّما تكون الإحالة واضحة في اللفظ داخل السجال السياسي الدائر حالياً، لكنها قد تكون أيضا دقيقة في نقل الفكرة إذا نظرنا إليها بتجرّد، وهي تعني أن “اتجنبير” أصبح حالة تراثية لا توصل إلى التّطلّعات، فالحاجة الآن الملحّة وفق هذه التطوّر الشعوبي قد تعني ضرورة إثبات التّفوُّق على الآخر.

قد تكون حالة استعادة الكرامة والتخلّص من الإذلال مرتبطة وفق هذا الفهم المتطرّف بضرورة إخضاع الآخر وإذلاله، وهذا الثيموس وفق فوكوياما هو السمَة البارزة لكل الزعماء الشعوبيين حول العالم، لكن الملاحظ أن هذا الثيموس قد يعتري الأعراق أيضا، فقد تكون شريحة ممتهنة سابقا في مجتمعنا أصبحت الآن بفعل الانسداد واليأس مهيأة لاعتناق عقيدة “فظيمه فيكم” كما ستصل الشريحة التاريخية بفعل الخوف على هويتها وكرامتها إلى تبنّي موقف “فظيمة فيكم“مضاد وممانع لعملية الإصلاح التاريخية.

هذا ما يعني أزمة مؤسسات المجتمع الحقيقة، وهو ما يوصف كذلك بدور سياسات الهوية والغضب في منع إرساء الديمقراطية، لأنه دوليا أعاد ظهور روسيا الغاضبة والصين المنتقمة وأبرز زعماء شعوبيين كدونالد ترامب وأخرج بريطانيا من أوروبا بفعل تنامي سياسات الاستياء،  وهو ما عاد فوكوياما بخجل ليؤكد أنه هو السبب حين سأله العالم لما لم ينتهي التاريخ سنة 1992؟

ونحن هنا لسنا في مجال نقد هذا الطرح، وإن كنت أنوي كتابة مقال آخر في وقت لاحق لتلخيص أهم أفكار كتاب فرانسيس فوكوياماالجديد الذي ناقش فيه هذا الطرح بتفصيل، وذلك لسبب واحد؛ أن هذا الكتاب الصادر في سبتمبر الماضي قد لا تتاح ترجمته قريبا للقراء الموريتانيين.

وهنا يجدر القول أخيرا؛ إنّ ظاهرة تبنّي القيادات الشعوبية كبيرام و ولد أحمد عيشة وبعض ناشطي “لمعلمين” وزعماء اليمين البولاروغيرهم لثيموس الـMegalothymia”” ليست خطرا بحدّ ذاتها، فهي تطوّر شخصي متقبّل وفق مسار المعالجة المختل لقضايا المواطنة، ولكن انجراف كل المكونات المحلّية إلى هذا الثيموس: “فظيمه فيكم” هو ما ينذر بالخطر، وسنراه ماثلا ما لم تكن هنالك صيانة حقيقية لكرامة المكونات، وإنصاف حقيقي لهوياتها، ولا ننسى حاجاتها الأساسية العادلة الأخرى، تلك المتعلّقة بالعدالة المادية وتكافؤ الفرص.

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى