شطحات

صناعة الآلهة/ محمد الأمين محمودي

أين سيبيت ولد الغزواني في كل بلدة؟

إنها الأمة تفكر في أكبر إشكالات تاريخها القديم والمعاصر.

الطاحونة تحركت بعد أن أيقن اللاهثون خلف الخيرات من أن العزى تنتظرا أسابيع قليلة لتخرج من رحم هبل بلا باروكة، وليعبدوها كما عبدوا هبل، وليقتتلوا حتى يبرهنوا على إيمانهم بالآلهة الجديدة، شرعوا في الاقتتال مبكرا حتى تعرف الآلهة المحسن منهم من المؤمن العادي من السلفي من العلماني، من غيره، وكل التوجهات عندنا طرائق تؤدي إلى رضاها.

ستتبع العصائب الرجل في رحلة التيه والاستطعام، ،سيكتسي هو سمرة خفيفة لأنه سيعيش بعض ماعشناه لأيام، سيعرف الشمس والبعوض والرطوبة لكن شعوره يختلف عنا جميعا وعن شيعته لأنه إله يعبد.

القبيلة تجتمع برئيسها و أعضائها وحتى المنبوذين فيها، ولكل غايته وطموحه من الاجتماع القبلي.  هذا،الزعيم يريد القرب من الرئيس والاستفادة والنهب وسرقة المال العام وتوظيف أقاربه في مناصب حكومية، العضو القبلي العادي يريد الاستفادة من فتات موائد الرئيس، أما المنبوذ فجاء ليرفع عن نفسه النبذ مؤقتا بدخوله الدار الكبيرة والجلوس مع الكبار.

المجلس القبلي يناقش تحضيرات زيارة الآلهة للبلدة، كيف سيبيت الغزواني، وماذا يسره من الأطعمة، وهل الرئيس مهتم بالحسناوات أم أنه عفيف العينين؟ وماذا عن الشعر والأزجال والأغاني، هل يحب التملق المبطن العميق أم الساذج المباشر، هل يحب التدليك أمام العامة، هل يشعره ذلك بالسعادة، وهل يزيده شعورا مضاعفا بأنه أصبح المعبود الأول والوحيد لدى الجماهير، هل نستقبله بالثوريين من أبنائنا وهم مستعدون طبعا، أم نخرج له من حظيرة “المستعبدين” من يرضي غروره، هل نستقبله بشيخنا التقليدي أم بصناعنا أم ماذا؟

هل لدى أحدكم معرفة بالرجل؟ ما يحب وما يكره، هل ألف احدهم عن شمائله، هل يكره جهة معينة فنظهر له كرهها أم أنه لايكترث، هل يحب المطر فنلقح له المزن، هل يحب الخضرة فنجلب له عشبا اصطناعيا يمكن جلبه من اتحادية كرة القدم بوساطة؟

تصوروا معي أن زعماء القبائل المحترمين وآباء التلاميذ وآباء الأبناء العاديين الذين لم يتتلمذوا عجزا، جميعهم يفكرون في هذه اللحظات في إسعاد رجل لم يعرفوه ولم يصافحوه ولم يقدر لهم أن التقوه، أما النساء فلادور لهن إلا في تقديم مقترحات من قبيل كيف “نشعشع”وكيف نختلف وما نوع الخيم والنمارق والزرابي.

صحافي القبيلة يشحذ مديته لأن القبيلة ستعطيه ملايين لـ ” يطلق” بها زملاءه من الصحافة والصُّراخ الذين تباع عقائرهم للصراخ بين الفينة والأخرى باسم القبيلة وشيخها ومن يليه في الترتيب ومن يلي ذلك بحسب ادخار المسؤول الاعلامي، فإذا ادخر لنفسه كثيرا فربما يكرر الصارخ اسم الشيخ لوحده.

في قبائل بني حسان يستحسن إبراز فتية غلاظ شداد بأثواب زاهية و لاضير أن يذكر الصارخ ببعض المعارك و أن يبتكر أخرى، أما في الزوايا فسيخرجون كواغد بعضها لعلماء القبيلة وبعضها ما أنزل الله بها من سلطان، ربما ألفها والد الرئيس أو جده مع تقديم وفد يحمد الله كثيرا ويقدم خدمة الدعاء المجاني وربما المرائي الصادقة، لكن الأخبار عن هذه المرائي عادة لايتم إلا حين يدخل الرئيس ويبقى مع شيخ المجمع الزاوي لوحده.

في الفسطاطين سيظهرون له الصناعات التقليدية للبلدة لكنهم سيخفون الصناع تماما كما يسمعونه الأغاني دون أن يقدموا له فنانا بل سيعمدون الى إشاعة أن فاتورة الفنان كانت رهيبة وبالتالي فعاطفته مؤجرة تماما كالسيارات.

حمام الضيف الآلهة يجب أن يكون مميزا فلو قدر أن “أمسك”في قريتنا لاقدر الله، فالإمساك لن يكون بمعروف، سيكون عقابه لنا،  واذا سرّح بإحسانٍ فالثبور والويل سيكونان جزاءنا، لذا سنوفر مقعدا انگليزيا إلى جانب آخر قرفصائي أو تركي مع مناديل حمام صحية كتبنا عليها بحبرنا المبارك “المجد لكل بقعة من جسدك الطاهر، نحن نحبك و أنت في هذا الحال المبارك تذكر أننا نحبك”.

ايها البائسون، لقد دمرتم أمة بالكامل حتى قبل أن تولد.

تذكروا أن أبناءكم تاهوا و احتقروكم لأنهم رأوكم تتآمرون على القيم وتظهرون الود والتقرب والإخلاص لرجل لاتعرفونه، ثم عرفوا أنكم كفرتم بسلفه ونسيتم أن السلف كان معبودكم إلى الأمس القريب.

أيها المتملقون، أنتم من يدمر مستقبل الأجيال، لقد علمتموهم أن عبادة السلطان هي السبيل الوحيد للبقاء، فجاء نسلكم من نسل عاد، أبناء عبدة معاوية عبدوا عزيز و أبناء عبدة عزيز هاهم يتطهرون للدخول في طقوس عبادة الغزواني. ومن عبدة الشيطان من عبدوا جميع الحكام ومازال في أعمارهم بقية لعبادة القادمين..

إلى متى؟

أليس فيكم رجل رشيد؟

ألم يفكر أحدكم في أن يكون استثناء الأمة المتملقة،كأن يقول لأولاده: لن أحضر الاجتماع القبلي المقيت، ولن أصفق ولن أطبل ولن أهتم برجل لايعرفني ولايكترث لأمري، وسأتوجه الى صناديق الاقتراع لأصوت لشخص أراه مناسبا، أو أقاطع حين لا أجده وفعلا لن أجده في انتخابات عرف الفائز فيها يوم تنصيب عزيز للمرة الأولى.

قل لأبنائك: اذهبوا إلى المدارس وسأذهب الى عملي سنمارس حياتنا بكل طبيعية حتى إذا تعذرت واستيأسنا خرجنا إلى الشوارع وسنجد حتما آخرين لديهم ذات المشاكل وساعتها -صدقوني- سيذل من عادينا لأننا قوة الجوع والبطون الغرثى والأفئدة الضعيفة و قوة عاجز عن شراء وصفة طبيب لابنه الوحيد المحتضر.

سندكهم لأن الشوارع ستلفظهم، ستستقبلهم بالغبار، إنها شوارع أبناء الشارع حيث لاانسولين ولاتكييف..الميادين ليست وثيرة كغرف نومهم المسروقة، الجنود منا والضباط الأشراف، ولهم ضباط الغنج والدلال والسفرات الخارجية وتبادل الزوجات.

نحن الشعب وهم أعداء الشعب، نحن الثورة وهم الثروة، نحن الأمل وهم الألم.

لو خرجنا يوما سيحاولون كدأبهم خلق آلهة من بيننا لكننا سنرفض فنحن بشر وسواسية، وسنظل نرفض ونصد هجماتهم وثوراتهم المضادة حتى يولد الوطن الذي يجعل الرئيس خادما للأمة وليس الذي يجعل الأمة أمة او خادمة لدى الرئيس.

“الغزواني سيمنحنا من وقته الثمين ساعتين فقط لسوء حظنا”..

تبا لكم بكل لغات العالم

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى