شاهد

لادجي تراوري: لقد سجن ولد داداه كل مناضلي “الحركة الوطنية” وأنا سجنت في ولاته ج(2/4)


في هذا الجزء الثاني من الحوار مع السياسي والمناضل لادجي تراوري؛ تحدث لنا دور “الحركة الوطنية” في الحياة السياسية منذ الاستقلال وعن دوره هو كناشط فيها، كما جرنا التداعي إلى الحديث عن سجنه في ولاته وكيف فقد وظيفته على غرار الكثيرين من أعضاء الحركة حينها. عرج أيضا على نضاله في سبيل ترسيم اللغات الوطنية منذ 1961 ونضاله من أجله تدريسها وتجربة “المعهد الوطني للغات” ومحطات سياسية أخرى واجتماعية واقتصادية من تاريخ موريتانيا الحديث، ومن تاريخه الشخصي والأسري وقصة “مدام تراوري”، أستاذة اللغة الإنجليزية النيجيرية التي ساهمت في تعليم الكثير من الموريتانيين.. فقال:

بخصوص موريتانيا ابتداء من عام 1960 فإن شباب اليسار واصل المعركة من أجل إعطاء معنى حقيقي للاستقلال الوطني، ولذلك عندما أسسنا الحركة الوطنية طالبنا بإعادة التفكير في الاتفاقيات التي وقعتها السلطات من فرنسا، وطالبنا بعملة وطنية والتي تم سكها عام 1974، وطالبنا بتأميم أكبر شركة فرنسية في البلد اسمها “ميفرما” والتي أصبحت اسنيم بعد تأسيسها.


والآن أعود إلى ذلك السياق المتصل بالنضال والكفاح حيث كان الرئيس المختار منزعجا من مطالباتنا، فألقى بنا في السجون، أنا مثلا تم سجني في ولاته؛ وكان ذلك سنتين بعد عودتي إلى موريتانيا أي 1970، حينها كنت أعمل في التخطيط مع سيدي ولد الشيخ عبد الله الذي كان مديري، وجاري حسني ولد ديدي، وولد هيبه الذي كان وزيرنا وقتها، بينما كنت أنا رئيس مصلحة في المشروع، ولكنهم حولوني على وزارة الداخلية وهكذا تم تحويلي إلى ولاته دون أن أعرف سببا وجيها لذلك. واصلت السلطات هذا النهج حتى بلغت حدا تم إعفاؤنا من وظائفنا فلم تطل سنة 1974 إلا و كان كل مناضلي الحركة الوطنية سواء كانوا طلابا أو نقابيين أوغيرهم في السجون، وحتى زوجتي النيجيرية والتي كانت مرضعا حينها ألقوا بها في السجن مع رضيعتها، وتلك الرضيعة صارت الآن سيدة أعمال في السنغال وهي فخورة بأمها وأمها فخورة بها، وبقيت أنا هنا في البلاد دون عمل لمدة خمس سنوات متتالية، وهكذا قررت أنا وزوجتي بعد أن أصبح لدينا أربعة أطفال أن تعود إلى نيجيريا من أجل تعليم الأطفال، وبقي معي ولدان وهما الآن طبيبان متخصصان، ولاحقا عندما اقترحت عليها الطلاق لأننا لم نعد نعيش معا رفضت وقالت لي: أنت مسلم ويمكنك أن تتزوج بثلاث نساء أخريات، أما أنا فإنني سأظل السيدة تراورى حتى آخر لحظة من حياتي! وهكذا تزوجت بعدها بامرأة واحدة. بالنسبة لها فإنني تعرفت عليها في فرنسا حيث كانت تدرس، فالجميع ساعتها سواء كانوا من أفريقيا أو أمريكا اللاتينية أو الأنتيل، كنا جميعا في الجمعيات والتنظيمات الطلابية نفسها، وهي كانت أستاذة إنجليزية، بينما أنا اقتصادي في مجال التخطيط. هذه إذن هي حياتي العائلية.


إن التاريخ الموريتاني تاريخ متنوع، وعكسا لما هو شائع فسكان موريتانيا عبر التاريخ كانوا موحدين ويعيشون بأمان ووئام، و يقتستمون الكثير، وأنا لطالما قلت إن رمز اتحادنا هو هذه اللغة الهجينة “آزير” وهي لغة كانت سائدة في شمال تيشيت وأجزاء من وادان وعلى طريق تجارة الذهب مرورا بمالي إلى غانا وحتى في الجنوب الموريتاني، إذن الأمة الموريتانية هي أمة قديمة وموغلة في التاريخ. مثلا قبيلة “لقلال” هي من سلالة “أحمد قُله” وقله باللغة السوننكية تعني الأبيض.


نحن في “الحركة الوطنية” على سبيل المثال في إطار إعطاء اللغات الوطنية مكانتها أسسنا منذ سنة 1978 إلى جانب آخرين منظمات لترقية اللغات المحلية قصد كتابتها وتدريسها للأجيال الموريتانية، وكان هناك جدل واسع بخصوص الحروف التي ستكتب بها هذه اللغات، فهل ستكتب بالخط العربي الكوفي أم بالحروف اللاتينية المواءمة مع بعض المقاطع النطقية التي لا توجد في هذه اللغات؟. وقد قمنا منذ أيام في هذه المنظمات المهتمة بمستقبل اللغات الوطنية بإنعاش يوم من أجل ترقية اللغات الوطنية وشارك فيه العديد من الفاعلين السياسيين والثقافيين.


إن قضية اللغات منذ فجر الدولة كانت مطروحة، وقد طرح مسألة الحروف التي ستكتب بها هذه اللغات في تلك الفترة رجل يتقن اللغة العربية وهو من “البولار” كان يدير مؤسسة “الفلاح” التعليمية، ثم عقب على سؤاله وكان ذلك في حضوري وحضور مريم داداه وآخرين حينها؛ موجها الخطاب إلى حمدا ولد التاه:


أنا أعرف أنكم في أسرتكم تتحدثون باللغة البربرية وليس باللغة العربية، وأنا وإن كنت مستعربا إلا أنني أتحدث البولارية، وهي لغة تمتد على الحيز الجغرافي من المحيط الأطلسي حتى الكامرون، وبالتالي فاللغة البلارية لغة عابرة للحدود، فلماذا ليس من حقي أن أطمح إلى ترقية هذه اللغة حتى تصبح لغة مكتوبة ومقروءة مثل اللغة العربية؟.


وأنا أشير هنا إلى أن المقدس في القرآن الكريم ليس الحروف العربية؛ وإنما كلام الله نفسه، وقد فهم الإيرانيون هذه القضية مبكرا ولذلك كتبوا كل النصوص الدينية في لغاتهم الخاصة، إذن دعونا نكتب لغاتنا الوطنية بالأبجدية التي تناسبها في كامل القارة الأفريقية، وهي الأبجدية المستخدمة بشكل رئيسي في التكنولوجيا والأجهزة والماكينات وهذا ما طرحناه منذ 1978 ولكن الأمر لم ينفذ إلا في عهد ولد هيداله ابتداء من عام 1979 عندما تم ترسيم اللغات الوطنية وإدماجها في النظام التربوي الموريتاني وتم تدريسها في تجربة قصيرة، لقد كنت مشاركا في هذا الاجتماع إلى جانب معاوية ولد الطايع الذي كان وقتها مسؤول اللجنة الاقتصادية الثقافية في اللجنة العسكرية للخلاص الوطني في مقر الدرك الوطني بالقرب من مقر السجن، وهو نفس ولد الطايع الذي حل بعد ثمان سنوات “معهد اللغات الوطنية” وألغى قرار تعليم تلك اللغات.

ومن أجل أن لا نظل حبيسي المسألة اللغوية فقط فسوف أتحدث عن قضايا سياسية فمن سنة 1960 إلى 1991 كنا ككل الدول الافريقية نعتمد نظام الحزب الواحد والنقابة الواحدة وجمعية وطنية واحدة للشباب وحركة طلابية واحدة، وقد ظللنا دوما ذلك، ففي 1969 بعد أحداث ازويرات التي أطلقت فيها السلطات النار على العمال المتظاهرين فجرنا اتحاد عمال موريتانيا من الداخل وأسسنا “اتحاد عمال موريتانيا” عهد جديد، ثم أسسنا الكونفدرالية العامة لعمال موريتانيا والتي تم اختياري رئيسا لها وكان معي النقابي النهاه، وقد انقسمت هذه النقابة “اتحاد عمال موريتانيا” بعد تأسيس هذه النقابات ومن ضمنها أيضا الكونفدرالية الحرة لعمال موريتانيا والتي انقسمت هي بدورها وانشق الساموري ولد بي وأسس كونفدراليته الخاصة إلخ..

هكذا استمر الأمر حتى 1991 وهي سنة ما عرف ب”اتفاقيات بون” عندما طالب ميتران الرئيس الفرنسي وقتها الدول الأفريقية باعتماد الديموقراطية وبالسماح بترخيص الأحزاب والتعددية السياسية. سوف أعود لاحقا للجانب السياسي والآن دعني أتحدث عن الإصلاحات الاقتصادية. في عام 1974 سكّت موريتانيا عملتها الوطنية وراجعت اتفاقياتها مع فرنسا وبدأت تفكر في تأميم ميفرما، وفي تلك الفترة كنا في السجون، فقد ألقى ولد داداه بكل مناضلي الحركة في السجون؛ محمدُّ ولد ناجي والمصطفى ولد اعبيد الرحمن ودفا باكري وولد بدر الدين والتكمل وكنا في سجن تامشكط، قمنا يومها بإضراب عن الطعام، ولكننا اتفقنا ونحن في السجن على أنه في حالة اتخاذ هذه القرارات المهمة فإننا سوف نشجع ولد داداه، صحيح أننا انقسمنا قليلا حول الموضوع ولكني كنت أرى أن النضال طويل ومتشعب فلو اتخذ الرئيس قرارا بالخروج من منطقة الفرنك فإن ذلك سيكون جيدا، ونحن البلد الوحيد حتى الآن الذي خرج من منطقة الفرنك الغرب أفريقي بينما مؤخرا هناك بلدان أصبحت تفكر في اتخاذ هذه الخطوة بينما نحن اتخذناها منذ 1974 تحت ضغوط الحركة الوطنية، وتم طرد القواعد الفرنسية وتأميم ميفرما، وهذه الجهود في تلك لفترة يعترف بها المرحوم ولد داداه نفسه؛ حينما زرته في آخر حياته إبان مرضه حيث قال أمام جمع من الناس إننا معا من أسسنا موريتانيا.

في ذلك اليوم الذي زرت فيه الرئيس ولد داداه كان الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات محاصرا في منزله في رام الله، وقلت له : سيدي الرئيس أنا مضطر للمغادرة لأنني يجب أن اقود مظاهرة مساندة للرئيس الفلسطيني تنطلق من المسجد المغربي إلى مقر السفارة الفلسطينية حيث وقعت عريضة بدعم الحق الفلسيطيني ومساندة الرئيس عرفات في محنته، ولا أدري إن كنتم لاحظتم في مقرنا هنا صور الرئيس الفلسطيني والقضية الفلسطينية بشكل عام. إن نضالنا وقضيتنا هي قضية الحرية والديموقراطية والمساواة وضد الظلم والاضطهاد في كل مكان وليس على المستوى الوطني فقط؛ في العالم العربي؛ وفي أفريقيا وكل العالم، ولهذا أنا الأمين العام لحزب التحالف الشعبي التقدمي، لأنه إطار يجمع الحراطين والزنوج والبيظان، وسوف نجتمع لتحديد استرتيجيتنا نحن الآن لم نتخذ موقفا بشأن الانتخابات الرئاسية وسنجتمع هذا المساء لاتخاذ قرار نهائي.


نعم هناك تقدم في مجالات الاقتصاد و السياسة والمجتمع والثقافة في موريتانيا ولكن ما زال هناك الكثير مما يجب القيام به؛ ولكني أعتقد أيضا أن البلد في السنوات الأخيرة عرف تراجعا على مستوى الديموقراطية والعدالة الاجتماعية، وأعتقد أن الجيش يجب أن يعود إلى دوره الحقيقي المتمثل في حماية البلد من المخاطر الخارجية واستقلاله وأن يبتعد عن السياسة ويتركها للسياسيين المدنيين.


يتبع..

أجرى الحوار/ الشيخ نوح

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى