من باب الوضوح

هل رأيت (جلعادَ) قط؟/ محمد عبد اللطيف

لَدَيَّ صديقٌ آخر يقدّم مصطلحات؛ إنه صحافي من طرازٍمكتبي متأمّل، وهو عرضة لكثير من المتسلّقين الراغبين في الولوج إلى عالم الصحافة، المصطلح يتعلّق بـ “جلعاد شاليط”.. يتعلّق باسمه فقط، جريا على عادة الصحافة الموريتانية التي استخدمت اسم “البشمركة” استخداما عروبيا غير لائق، ولكن صديقي بطرافةٍ وحس كوميديا رفيع يلقّب كلّ من يحمل أدوات محظرية جدلية (من لغة وشعر وثقافة مجالس) ويعمل كل ذلك لإبهار ضحاياه واستغلالهم يلقبه بـ “جلعاد”.

الأمر شبيه بـ”أهل الكدية” في مقامات بديع الزمان؛ أولئك “الكلمنجية” الذين يظهرون البراعة في النحو لأهل النحو، والفقه لأهل الفقه، وهكذا، من أجل لقمة العيش والظفر بضيافة أكثر كرما.

ولكنّ “الجلعدة” ظاهرة محلّية عارمة، وقد برع فيها الموريتانيون أيما براعة، فمنهم من يسميها “الفتوّة” و منهم من يسمّيها “اتفوليل” وكلّها تصبّ في تعريف شخصية مجالس تسعى غالبا لأهداف قصيرة المدى من خلال كل تلك المواهب.

ربما لم تتّضح الفكرة، حسنا لنرجع إلى المربّع الأول، فمن الجيد أن الأمثلة توضّح الفكرة غالبا، لهذا سنضرب أمثلة (لجلاعدة) مميّزين.

لعلّ أوّل من (تجلعدَ) على البيظان كان المغامر الفرنسي (رينييه كاييه)المعروف في ثقافتنا بـ (ول كيجه النصراني) الذي جاب “اتراب البيظان” حتى وصل تمبكتو في ثلاثينات القرن التاسع عشر، وهو رحالة تتداول عنه الروايات الشعبية قصصا طريفة قادته إلى إمامة بعض سكّان منطقة لبراكنة زمنا طويلا في الصلاة، وعند هروبه -حسب المرويات الشفهية- ترك لهم رسالة تقترح عليهم -بحسن نية وظرافة- إعادة صلواتهم كل تلك السنين، مستدلاًّ بنصّ من مختصر الشيخ خليل يقول: “وبطلت بمن بانَ كافراً”… أمرٌ مضحك أليس كذلك؟  لا يقلّل منه أن القصة غير حقيقية.

كادت معالم (الجلعدة) أن تندرس تحت وقع حياة السيبة، رغم محاولة (اعمرْ آبيلي) سرقة (المزّوزة) من أولاد امبارك بانتحاله شخصية (طالب)، السخريّة كانت في أن الأمير أطلق سراحه وأعطاه (المزّوزه)ليس لأنه (طالب) ببركته، بل لأنه عزف شور (المشوّش) لأوّل مرة، كانت سخرية بالفعل، ولكنها أيضا كانت جلعدة محلّية خالصة قام بها (اعمر آبيلي).

بعد ذلك بعقود طويلة دخل الحيّز الجغرافي جلعاد الكبير، أحد أعظم الجلاعدة في تاريخنا الثقافي، إنه الشاعر اللبناني محمد يوسف مقلّد، وقد وصل إلى السنغال في صيف 1937 ليبدأ بعمل ما يتقنه “الشوام” هناك: البحث عن الثراء، كان صاحبنا عاثر الحظّ، لكن رفقة بعض الموريتانيين ألْهمته العودة إلى الشعر، يقال إنه زار موريتانيا، إلا أن ذلك غير مؤكّد، لكن المؤكّد أنه ألّف الكتاب الأشهر “شعراء موريتانيا القدماء والمحدثون” وكتابا آخر هو “موريتانيا الحديثة” وصدر الكتابان في الستينات بعد عودته سنة 1950 إلى لبنان بأكثر من عقد.

محمد يوسف مقلّد يشبه المستشرق الفرنسي لويس دوكرانسييه الذي ألّف عن تاريخ ونشأة الوهابية، يشبهه من جهة واحدة، أن كلا الرجلين كتبا شيئا لا يعلمان عنه شيئا، فالفرنسي من نُزُل في حلب ألف كتابا عن نجد قال فيه إن محمد بن عبد الوهاب ولد في اليمن، ومقلّد من دكاكين دكار جمع أشعارا نسبها إلى من شاء، وامْتنّ بألقاب على آخرين لم يكتبوا شعرا في يوم من الأيام، وكل ذلك استقاه من جلساء الشاي الأخضر في الدكاكين الصغيرة في (بومبيي) بدكار، كما استقى الفرنسي معلوماته من تجّار التوابل العراقيين في حلب!

لولا أن مقلّد عثر على العلامة المختار ولد حامدن لجاء بعجب أكبر، فهو أملى عليه بعض النصوص، وربما لاحقا أراد مقلّد إضافة أشياء أخرى فأفسد الأمر كلّه.

استمرّ الكتاب كـ”جلعدة” كبيرة على الموريتانيين، فالرجل المجهول في وطنه صار علما يحتج بترجيحه لدينا، وذلك الكتاب الخامل خارج موريتانيا من أمهات الأدب عندنا!

لكنّ مقلّد نفسه حسب تاريخه الشحيح كان سيء الطباع، شوفينياعرقيا متطرّفا، إضافة إلى أشياء أخرى مثل سجنه في السنغال بتهمة التحرّش إثر شكوى من سيدة عربية كان يدرّسها اللغة العربية، وقد عانى في ذلك السجن كثيرا من حرارة الصيف وحشراته، وقد خبرتُ جزءا من تلك المعاناة في نزل حقير في منطقة (بكّين) بدكار حين بتّ أعدّ أجنحة الناموس فوقي مستسلما للوخز والألم!

خرج من سجنه ذاك غاضبا فكتب قصيدة يهجو فيها السنغال، قال من ضمنها:

رأيت العيش في السنغال ضربا    من الكدح الذي لاخير فيهِ

أيا وطن العبيد فقدت فيكَ الـ      ـهَنا والأنس والهزل البديهي!

عاد بعد ذلك إلى وطنه، ليطبع كتبه لاحقا، وينسب إليه الموريتانيون حملة مناصرة موريتانيا ضد دعاوى المغرب، وينسب إليه المخيال كذلك اللقب الأسطوري الذي نتيه به “بلد المليون شاعر”، وكلا الأمرين غير صحيح، فذلك اللقب منحتنا إياه خطأً مجلة “العربي” الكويتية، وهي كذلك من شنّت حملتها الحقيقية لضم موريتانيا إلى الجامعة العربية.

كاد أن يكون هذا الرجل “كعبة” علّقنا عليها كل مفاخرنا، رغم أنه كان مجرّد كادح قليل البضاعة، ولكنه بطريقة ما “تجلعد” علينا حتى صرناضحية لأوهامنا حوله، وربما تحوّل في مخيالنا إلى قُدوة، حَدَتْ بكثير من الشباب لاحقا إلى تبنّي نمط حياته في “الجلعدة”.

مرّةً سألتُ أحدهم لماذا لم تزر موريتانيا؟ قال أخشى أن ينقلوا إلي عدوى القرحة المَعِدية، ضحكتُ كثيرا لأن القرحة مرض عضوي لا ينتقل بالعدوى، لكنّ نمطَ الحياة في تناول الشاي والتدخين على معدةٍ”خاوية” قد يشكّل نوعا من العدوى، ربّما أصابَ صاحبنا مقلّد نوعٌ من هذه العدوى وهو يشرب الشاي الأخضر في دكاكين الموريتانيين في دكار مع حبات الفول السوداني، فقد مات رحمه الله إثر انفجار معدته بسبب تفاقم حالة القرحة المعدية لديه!

منذ ذلك العهد؛ أو بعده قليلا، انفجرت أيضا حالة “الجلعدة” الرهيبة، وقذفت “المحاظر” والقرى بآلاف “الجلاعدة” المسلّحين ببعض النصوص والأشعار والحافظين لبعض المعلومات الصادمة والقارئين عن ظهر غيب أعمدة الصحف ومقالات أكبر الكتاب الكلاسيكيين، وجاسوا خلال العالم، يقدّمون صورة مبتذلة من محمد محمود ولد التلاميذ الذي لم يكن جلعادا بحال من الأحوال، يبهرون العالم بثقافتهم “المجالسية” ويلتقطون غاياتهم بعد ذلك طلباتٍ وهدايا وخدماتٍ عابرة.

هل رأيتَ (جلعادَ) قط؟ كم من (جلعاد) مرّ بذهنك وأنت تقرأ هذا المقال؟ من المؤكّد أنك تعرف أحدهم، فإن عرفته فابتسم ثم تنبّه، وإن لم تعرف أحدهم فاحذر من كل جلعاد، واعلم أنه ورد في حديث موضوع: “كل بليغٍ فاجر”!

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى