الافتتاحية

مارشْ آرْيير../الشيخ نوح

إن الناظر إلى الخطاب المتقدمين للمقعد الوثير في القصر الرمادي تتجلى له حقيقة السباق والحمّى التي أصابت السياسيين في حلمهم الكبير، المتمثل في حفر أسمائهم في صفحة تاريخ هذا البلد كأحد الذين أداروا دفة حكمه.

ولد الغزواني أول ما ظهر ظهر مع محمد الحسن ولد الددو، كبطاقة مرور إلى قلوب القوى التقليدية في المجتمع، وكتأكيد للعلاقة الاجتماعية الضيقة التي تربط رجلا من “الزوايا” برجل من “الشيوخ والأشياخ” كما قدم نفسه في أول خطاب.

إن تقديم الغزواني نفسه كشخص نشأ في وسط تقليدي وتعلم وتشبع بالثقافة التقليدية هو رسالة للقسم المحافظ من المجتمع ولموريتانيا العميقة بأنه لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون، فأنا لا أراهن على نخبة البلد ولا على عقوله، وإنما أراهن على المجتمع العميق، والذي أدرك تفاصيل علاقاته وأعده بالمزيد من السلطة والهيمنة.

وإن كان لأسباب دوما تدخل في إطار البروباغاندا السياسية قد تم ترويج لمعلومة غامضة مفادها أن ولد الغزواني رفض مبادرة قبلية من أجل تمويل حملته، إلا أن من يلقي نظرة خاطفة على وفد ولد الغزواني ومرافقيه يتبين حجم تغييب المنحدرين من طبقات اجتماعية مظلومة تاريخيا، ويتبين بجلاء أن الرجل يمثل يمين اليمين البيظاني التقليدي المتحكم في كل مفاصل الدولة، ولعل صور عشرات الإبل المعقورة ليست سوى عودة إلى مفهوم الإمارة التقليدية، فحتى في عهد بطش ولد الطايع لم تكن الأمور تجري بهذا المستوى من البذخ والترف.

إن تصوير صف من الجمال التي تنزف هو رسالة أخرى ليس فقط هدفها التطبيع مع سكب الدماء كقيمة معنوية في المجتمع الصحراوي البدوي، وإنما أيضا يشكل إشعارا لمن لا يملكون رغيف خبزهم اليومي بالمزيد من المهانة والدوس على مشاعرهم، وإشعارهم بالمزيد من العجز، هذا العجز الذي سببه ميلان ميزان القوة إلى جهة واحدة صغيرة، ولكنها تتمتع بكل الامتيازات بينما تبقى الغالبية العظمى من الموريتانيين يرزحون تحت الفقر والمرض والجهل.

في الخطابات التي قدم غزواني لم يتم التأكيد على أهمية التعليم ولا الصحة، ولا العدالة الاجتماعية ولا علاج الاختلالات الاقتصادية التي أنتجتها قرون من الظلم والظلام قبل الدولة، وعقود من التمييز والتهميش في عهد “الدولة الوطنية”.

إن الخطاب موجه إلى الطبقة البورجوازية والأورستقراطية دون سواها. إن نظاما يقوده غزواني هو استمرار للمجتمع العميق ومجرد إعادة إنتاج للخطايا والأخطاء القديمة.

أما ولد بوبكر فقد ظهر أول ما ظهر مع الفخامة ولد الشيخ سيديا، مع ما ينطوي عليه ذلك من الركون إلى القوى والمشيخات التقليدية وليس إلى الشعب والجماهير المنهكة وإلى أهل القاع.
سيدي محمد ولد بوبكر ذلك الرجل الذي يحب المقاعد الوثيرة، فإنه وإن كان كما قال لي أحد الأصدقاء المفتونين ببلاغته لم يخطئ خطأ لغويا واحدا في خطابه، فإنه وإن حاول الظهور بانفتاح أكثر مستفيدا من أخطاء المرشح الذي سبقه، إلا أنه لم يقدم برنامجا راديكاليا ولا اقتراحات استثنائية يمكن أن تجعل المهتمين بالهامش والتحت يطمئنون لهذا البورجوازي في حلمه بالرئاسة.

الرجل القوي في عهد ولد الطايع ما فتئ يعطي إشارات من وقت لآخر باختلافه عن اليمين البيظاني المتحكم، وإن كان على الصعيد الشخصي ربما يتمتع بمستوى ثقافي وعلمي يخوله إلى حد ما أن يرى الأمور بشكل آخر، إلا أن ماضيه السياسي لم يسجل فيه مرة للتاريخ هذه الصورة النضالية التي يحاول تمريرها عن نفسه، وأغلب الظن أنه يطمح إلى المشاركة في الكعكة ورعاية مصالح رجل الأعمال محمد ولد بوعماتو في موريتانيا المهدهدة بالغاز والثراء المفترض.

وعليه فإن آخر ما يمكن أن يقنعنا به ولد بوبكر هو أنه مناضل من أجل العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة وإذابة الفوارق الاجتماعية المهولة بين أقلية تملك كل شيء وأغلبية تعيش على “باسي” والخبز الحافي ونصف فخذ من الدجاج لأسرة كاملة في لحظاتها الأكثر حظا وسعادة وبذخا.

ماتت الأحزاب المعارضة تقليديا موتا سريريا على الأقل، فالأحزاب التقليدية في المعارضة تراجعت في المشهد السياسي بشكل مهول بسبب شجعها وتخبطها، وعدم امتلاكها لمشروع مجتمع واضح واستراتيجية محكمة سوى الوصول إلى السلطة، هذا بالإضافة إلى استسلامها للنظام في لعبته المتمثلة في إغراق الحياة السياسية بالمال، بينما كان من المفترض أن تبني هذه القوى المعارضة شعبية موازية، تمتاز بوعي سياسي عميق، والتزام فكري ومبدئي، وليس الدخول مع النظام في معركة خاسرة، فمن يستطيع أن ينافس النظام بالمال وقد وضع يده على كل مقدرات البلد وحرم منها كل من يرى أن له نصيبا من الكرامة أو الرفض أو المعارضة للوضع المزري؟.

إن هذه الخطابات غابت فيها المشاكل الحقيقة لموريتانيا، وغابت فيها رؤية قادرة على الخروج بنا من عنقق الزجاجة، من خلال اقتراح توقيع عقد اجتماعي جديد، يضمن لكيان الدولة الاستمرار بشكل طبيعي، وينصف المحرومين وجيوش الفقراء وسكان الكبات وآدوابه والفركان والقرى النائية الظمئة، وهو ما يبشر بوصول “مشروع الدولة الوطنية” إلى طريق مسدود، ولا يلوح في الأفق طريق يقود إلى مستقبل مطمئن، وإنما كل الطرق تؤدي إلى المجهول وإلى المزيد من التقهقر. بكلمة واحدة إنه مارش آريير!

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى