مقالات

ميثاق لحراطين فجر مشرق/علي سيدي امزيريك

يوم الاثنين 29 إبريل 2019 قرر لحراطين و كل أحرار موريتانيا في لحظة مفصلية من تاريخ النضال أن تكون مسيرة الميثاق فجرا مشرقا يجيء ليلغي سنوات الظلام الطويلة تحت الأسر الاقتصادي والعبودية الفكرية، و تحت التنـكيل الجسدي و الاحتكار الوظيفي .

جاء ليبدأ طي أولى صفحات المنفي داخل الوطن.
جاء ليوقع سند دين على كل موريتاني أن يرث مسئوليته ليشكل وعدا بضمان الحقوق والحريات التي لا يحق لأي كائن كان التصرف بها.

نعم السند الذي تخلفت موريتانيا عن تسديده منذ زمن طويل على الأقل بالنسبة لمواطنيها ” لحراطين” و يجيء الميثاق ليؤكد رفضه لما هو سائد و مفاده: أن بنك العدالة لدينا مفلس وأنه عاجز عن دفع صك الحرية والعدالة لمواطنيه.
إننا نقول لألئك أن في مخازن القضاء فائضا من العدالة والمساواة، و أننا نرفض بكل حزم أن يفلس بنك العدالة والحرية في دولتنا، و أننا ماضون بدون مساومة في الطلب من أجل تسديد ذلك الصك الإنساني والأخلاقي.

إننا كشعب بالرغم من تعدد مشاربنا الفكرية و انتماءاتنا السياسية وتفاوت قناعاتنا بالقضية طالما كبحنا وابتعدنا عن تغذية جوعنا للحرية و ظمئنا السرمدي إلى العدالة، ابتعدنا عن تغذيتهما بالمرارة والألم و البغض رغم كل المؤشرات التي تدفعنا دفعا يوم بعد يوم إن لم أقل لحظة بعد أخرى، ولكن لدينا أمل أن صحوة الضمير الوطني يوما ما ستقع إن لم أقل أن إرهاصاتها الأولية بالفعل قد بدأت ,وهكذا فإن مرارة الأمس و عنصرية الحاضر و ما يخبئه المستقبل لن يمنعنا من التعبير عن أسفنا عن التجاوزات التي يقوم بها بعض إخوتنا الغاضبين رغم تفاهتها أمام هول وفداحة ما قيم به في حقهم منذ مئات السنين، إلا أن أي فعل غير أخلاقي يتنافى و القيم السامية للميثاق و أهدافه الأخلاقية و المقدسة يبقى فعلا مشجوبا ومدانا.

إننا لا نخاف من فكــرة تحقيق النصر وحدنا كمضطهـديـن و منفيين داخل وطننا، بل إنه بالكاد تجد صورة الدولة الواحدة العادلـة طريقها إلى مخيلتـنا؛ وقد بناها لـون واحد أو حقق كل عضو منها النصر في معركته ضد الظلم و الحيف لوحده دون أخيه في الوطن والإنسانية، نحن مؤمنون كذلك كإيماننا بيوم القيامة أن الفكر الديماغوجي العنصري لــن يفيدنا في شيء، فقد ينتصر في معركته الحتمية ضد مناوئيه و يسحقهم ولكنه سيفشل في بناء دولة الأحلام على ساحة انتصاره لما يحمله من ضيق في الأفق، إنه يحمل في جوانحه ثمرة فناءه، ولكن هذ لن يجعلنا نغفل عن و ضعنا الصارخ و الذي يؤكد إننا دولة تسير نحو الهاوية و يتجلى ذلك في المناطق التي يطبعها اللون الواحد، والمدارس التي يطبعها اللون، و الأعمال التي يطبعها اللون، و المناصب التي هي الأخرى يصبغها اللون صباغة، و الشارع كذلك الراجل منه لون والراكب منه لون آخر، و حتى حركة المياه داخل الأحياء البيضاء تختلف تماما عن مثيلاتها في الميناء و”الكزرات” والسبخة، و قوة الكهرباء في الأحياء الراقية التي يقطنها غالبية من البيظان هي الأخرى تختلف تماما عن قوته في الأحياء ذات الاكتظاظ السكاني الحرطاني الكبير، هذا إن توفر لدى هؤلاء لحراطين أصلا كهرباء وماء وشارع، وذنب هؤلاء الوحيد أنهم مواطنون ينتمون إلى وطن منحوه كل شيء و قرر هو بالمقابل أن يسلبهم كل شيء، ذنبهم أنهم بشر لهم الإرادة لفعل كل شيء؛ و لكنهم مشلولون لا يقدرون على الحركة، وبالمقابل هناك أشخاص يملكون كل شيء وقادرون على الحركة؛ ولكنهم لا يريدون أن يفعلوا أي شيء لهذ الوطن، بل يجرونه جرا نحو جهنم.
إنه لمن المؤسف جدا أن تفتخر حكومة باحتياط من العملات الصعبة وفائض مالي في الوقت الذي يرزح فيه غالبية شعبها تحت وطأة الفقر و البؤس والمرض والجهل، ألا يتطلب الوضع منا جميعا الوقوف صفا واحدا من أجل الحقوق والحريات و التنمية الشاملة و الأمن القومي ؟.. أم أننا شعب لا يملك نخبة و بلا مثقفين، بلا مواطنين؟.
إننا لا نحتاج أن نخبر الدولة أن غالبية الوفيات سنويا من لحراطين لعدم وجود رعاية صحية، و أن الممرضين في” آدوابا” و الأرياف يمارسون أبشع الإرهاب على المواطنين غير آبهين بأخلاقية المهنة ولا الإنسانية، و أن أفراد الشرطة يغتصبون بطريقة وحشية بنات الريف، و أن مفوضي الشرطة يعذبون المواطنين حتى الموت ولا تنطح شاة فيها أخرى، و أن المعلمين هرعوا من الريف للعاصمة من أجل التعليم الحر و المرابطون منهم في الريف بدل تشجيعهم بالترقية و العلاوات تقام لهم محاكم تفتيش فيتهمون لمجرد أن واحد شعر بمسئوليته اتجاه مواطنين يقتات من دفعهم الضريبي، و لا يخفى على أحد الإهانات التي يقوم بها رجال الحرس ليل نهار في الميناء و السبخة و الرشوة المنتشرة بين أفراد أمن الطرق والمخدرات والاغتصاب و كانت آخر حادثة تلك التي تم تسريح البعض منهم، ولكن ما أكثر الذين لا يزالون يمارسون قذارة الأعمال في الظلام .

ولا تحتاج الدولة التذكير أن آلاف الهكتارات التي يقتات منها مواطنيها تم تجريدهم منها بحكم سابق على وجود الدولة ذاتها، وأن ذلك الفعل المدعوم من نافذين في السلطة السياسية والعسكرية والقضائية يدفع المواطنين إلى النزوح نحو المدن بحثا عن هواء بحجم رئاتهم المنهوكة بالغصب وقلوبهم المشبعة بالألم والمرارة جراء المعاملات الحيوانية التي يتلقونها، إنه لسبب وجيه يدفع مؤشر الوعي بالإهانة والخطر ينمو بشكل متسارع يخلق صدمة لكل الأطراف؛ الضحية والجلاد على حد سواء، و يخلق تعنتا لدى الدولة يمنعها من استيعاب التحولات السريعة على صعيد الوعي و ردة الفعل على الواقع.
لقد تحولت العاصمة نواكشوط إلى دولتين الحدود بينهما شارع جمال عبد الناصر و تحولت مدينة انواذيب مدينة صحراوية أو ولاية مغربية خارج الحدود، تمول المغرب أتباعها بالمليارات من أجل إغراء المواطنين و دفعهم لبيع أراضيهم دون أن تأخذ الدولة مسئولياتها اتجاه مواطنيها الذين يهجرون بطريقة ماكرة خبيثة. إننا حزينون جدا عندما تبدأ الدولة بعرض حلاها في لقاء الرئيس بالشباب الذي يطغى عليه لون واحد، وخريجي جامعات غربية من لون واحد و أصحاب تخصصات نادرة من لون واحد كذلك ويعطون تحليلا عن الوضعية الاقتصادية والصحية والثقافية الداخلية رغم تجلى جهلهم بما يحدث داخل الوطن الهزيل .

فكيف تسألهم عن الصحة وهم يتلقون العلاج في أوروبا وأمريكا وكيف يعطون وجهات نظرهم في التعليم مع العلم أنهم لم تطأ أقدامهم يوما هذه المدارس المتهالكة ذات مدرسين غير أكفاء و كيف يعطوا آراءهم حول الحقوق و المجتمع المـدني و هم في واد و النار التي يصعـر لهيبها جلــد المـــواطــــــن مضطرمة في واد آخر.
إنه استفزاز الدولة لغالبية مواطنيها الفقراء إنها استفزاز للحراطين و ترهيبهم من المستقبل الذي يطمحون إليه، ولكننا كحراطين نقرأه بطريقة عكسية مفادها أن الدولة صماء وأن لاشيء في هذ العالم سيجبرها على الخضوع لرغبة الأغلبية غير النضال و الرفض بكل أشكاله، الرفض الرفض ولا شيء غير الرفض , إننا شباب ميثاق “لحراطين” قد قطعنا على أنفسنا وعدا لا رجعة فيه : نقسم أن ندفن الظلم دون أن نورثه لأبنائنا.
نقسم بهذ الوطن الذي لا نملك غيره أن نعيش كأسنان المشط مع نظراءنا من “البيظان” لا قيمة إضافية فطرية فيه و لا وظيفة فطرية فيه ولا مكانة اجتماعية فطرية كذلك فيه، لا أحد يولد فيه قمة ولا عدم فقط جهدك و عرق جبينك هما اللذان يحددان مستقبلك.

نقسم أن ندفن هذ الظلم أو ندفنه معنا . لن نعيش في ظل الظلم و الإهانة و سيكتب التاريخ لأول مرة تاريخ شعب كافح بكل ما أوتي من قوة في سبيل تحقيق ما يؤمن أنه حق مشروع لا يقبل التنازل عنه ولو كلفه ذلك حياته .

بقلم : علي سيدي امزيريك

تعليق واحد

تعليق واحد

  1. أبوبكر بن الفيجح

    أبريل 22, 2019 في 2:23 م

    الله احييك اخي العزيز ودوم حبرك

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى