شاهد

لادجي تراوري (4/4): هذه الوكالة الغريبة انتهكت كل الإجراءات وأدخلتنا في أزمة

أجرى الحوار: الشيخ نوح

في هذا الجزء الأخير من “شاهد” مع العميد لادجي تراروي تحدث لنا عن المستقبل أكثر مما تحدث عن الماضي، مستقبل دور العسكر الطبيعي في الدول الديموقراطية، مستقبل الديموقراطية في البلد وتحولاتها، كما تكلم عن ثروات البلد من نفط وغاز وذهب وكيفية تسييرها، وعن “الوكالة الغريبة” التي سقطت من السماء.. كل ذلك وأكثر في هذا الجزء الرابع والأخير من اللقاء.

متابعة شيقة

بادئ ذي بدء أشكرك على توجيه هذا السؤال في هذه اللحظة الحساسة، بل أقول بالغة الرهافة والأهمية، علي أن اعترف أولا أن بلدنا دخل عملية ديموقراطية منذ سنة 1991، ومنذ ذلك التاريخ هي بين صعود وهبوط، ولكن المثير للملاحظة هو أن العسكريين ظلوا دوما في قلب السلطة باستثناء فترة سيدي ولد الشيخ عبد الله والذي قام بإصلاحات مهمة، لأن السياسة قبل كل شيء في نظري هي عملية إيجاد حلول لمشاكل مطروحة، ومن هنا تم سن قانون لتجريم الاسترقاق، وتمت إعادة الموريتانيين المرحلين قسرا للسنغال ومالي إلى بلدهم.

وهنا لا بد أن أعود إلى قضية الاسترقاق لأنها مسألة مهمة ومؤلمة في تاريخ البشرية، وقد كانت بلادنا دوما ملتقى طرق للاتجار بالبشر، سواء كان ذلك نحو الشمال أي إلى المغرب وأوروبا، أو نحو الغرب باتجاه الجزر والأمريكتين. إلا أن هذه الظاهرة ما زالت حاضرة بقوة في المجتمعين السوننكي والناطق بالحسانية، وذلك لأنهما لم يعرفا عبر تاريخهما أية ثورة اجتماعية أو ثقافية أو حتى دينية، عكس ما حدث في مجتمع الفلان “البولار” حيث جاءت ثورة توروبي لتحدث نقلة إلى الأمام على طريق المساواة الاجتماعية وحرّمت الاسترقاق.

مع ذلك فإن مخلفات هذه الظاهرة ما زالت ماثلة في هذه المجتمعات جميعا، وإن كانت تختلف درجات حدتها من مجتمع لآخر. ولهذا فإنه من أجل أن تكون هناك دولة ديوقراطية لا بد أن يكون هناك مجتمع مساواتي ونساء ورجال أحرار.

أما فيما يتعلق بالديموقراطية في ذاتها فإنها، تعني -فيما تعنيه- الاعتراف بالمواطنة والحقوق للجميع، وأعتقد أننا لا نسير في هذه الاتجاه، فنحن نواجه مشاكل حقيقية وعوائق قائمة، وهنا أتحدث عن الإحصاء وإجراءات الحصول على الأوراق الثبوتية، والتي توضع أمام المواطنين عراقيل غريبة تمنعهم من الحصول على حقوقهم المتجسدة في هذه الأوراق، وهذه العراقيل في مجملها انتهاك للقوانين التشريعية. ولننطلق من حقيقة ثابتة مفادها أن عُمد البلديات في الأعراف والقانون هم بمثابة ضباط للحالة المدنية، لأن من ينتخب عمدة لا شك أنه يعرف سكان بلديته، فما الذي يمنع أن توفر لهم الوسائل من أجل القيام بهذا الإحصاء؟.. لكن بدل ذلك تم إنشاء وكالة غريبة، سقطت من السماء وانتهكت كل الإجراءات، وأدخلتنا في أزمات ذات طابع إحصائي؛ سواء مع مواطنين في داخل البلد أو في الخارج.

اليوم هناك الكثير من الأطفال والذين لا يمكنهم أن يترشحوا لامتحانات ختم الدروس الأساسية، لأن آباءهم وأمهاتكم لم يتمكنوا من الإحصاء والحصول على أوراق، وبالتالي فإن خسارتهم لدراستهم يجعل مستقبلهم في مهب الريح.

أما بخصوص العملية الديموقراطية، فإني أطلب من كل الموريتانيين أن يكونوا مهمومين بالديموقراطية الحقيقية والحديثة. كيف يمكن تسيير بلد ب 105؟.

وأنا كنت وما زلت من الذين طالبوا بتقليص عدد الأحزاب السياسية إلى عدد معقول، يجب أن تكون هناك أحزاب لها مشاريع ورؤى وقادرة على استقطاب كل مكونات المجتمع الموريتاني دون تمييز، وليس أحزاب قبائل ولا جهات ولا حقائب، وأعتقد أي حزب غير قادر على هذا، ولا تتوفر فيه هذه المعايير، في تقديري، ليس حزبا سياسيا، وأعتقد أيضا أن مثل هذه الأحزاب يشكل عائقا أمام الديموقراطية. مثلا خلال الانتخابات الأخيرة هناك بعض اللوائح الجهوية التي اقترب فيها عدد المترشحين من 90 مرشحا. هذا معيق للمعلية الانتخابية خاصة لدى شعب ليس متعلما بشكل أساسي.

المسألة الثانية هي كيفية عمل الحزب السياسي، صحيح أن الحزب مؤسسة سياسية تعمل بتمويلها الخاص من خلال مساهمات مناضليها والمنتمين إليها، ولكني أظن أنه في واقع مثل واقعنا على الدولة أن تدعم الأحزاب الوطنية والتي تملك رؤية وطنية و مشاريع مجتمعات وتشكل مؤسسات بمعنى الكلمة.

إلى جانب الأحزاب السياسية هناك أيضا اللجنة المستقلة للانتخابات، والتي يجب أن تكون منصفة وذات مصداقية ومستقلة فعلا، هذه المؤسسة موجودة في كل الدول الأفريقية والدول التي في طور الدمقرطة، وهي مؤسسة مهمة، ولكنها بحاجة إلى توفر شرطين اثنين، أولهما الوسائل المالية واللوجستية اللازمة، وثانيهما الاستقلالية التامة،  ونحن بعيدون من ذلك حتى الآن، بالعكس فنحن الأن إزاء تحد كبير جدا ومعضلة حقيقية؛ وهي أن اللجنة الوطنية المستقلة للانتخات في الواقع- وأكرر في الواقع- مكونة حصرا من الأغلبية والنظام، وليس هناك أي تمثيل للقوى السياسية المستقلة وبالتالي فليس لهذه القوى أي اطلاع على ما سيحدث، ويمكن هذا الأمر أن يجرنا إلى أزمات.

وأنا أقول إن هذه الوضعية يجب أن تتخذ إجراءت لتجاوزها فورا إذا كنا جادين، لأن ذلك وحده ما يعطينا أملا بأن ديموقراطيتنا الفتية تتقدم، وإلا فإن العملية الديموقراطية ستتجه نحو المزيد من التأزم، وسوف تكون هناك احتجاجات وأعمال عنف مصاحبة للانتخابات أو بعدها كما يحدث في العديد من الدول لا قدر الله.

تفاديا لذلك أررجو أن يعاد النظر في اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات خلال الأيام القادمة وبشكل سريع، لأنه لم يعد هناك وقت للتأخير.

والآن أصل سؤالك المتعلق بالقوات المسلحة وقوات الأمن ومستقبلها في البلد. هذا البلد الذي – كما تعلم للأسف- تم تسييره سياسيا لأربعين عاما من طرف العسكر، بينما دور العسكر هو تأمين البلد ضد المخاطر الخارجية والإرهاب وليس ممارسة السياسة، لذلك أطالب بإبعاد العسكر بشكل سريع جدا عن السياسة، وفي اعتقادي أنه لا يكفي إنشاء قوة عسكرية G5 في الساحل وجعل مقرها في موريتانيا لضمان أمن البلد، بل لا بد من تأسيس جيش وطني قوي ومجهز ويضم كل المكونات الاجتماعية الموريتانية، ويكون قادرا على تأمين البلاد ضد المخاطر الإقليمية وضد الإرهاب.

أما بخصوص سؤالك المرتبط بتسيير موارد البلاد وثرواتها فإنني سأقول إن الثروات في هذ البلد متنوعة ولم يتم استنفادها بعد، فموريتانيا بلد شاطئي ويمتلك ثروات بحرية هائلة، وكذلك لدينا البترول والغاز، ولدينا أيضا موسم أمطار وأراض صالحة للزراعة، وهناك نهر على طول 500 كلمتر محاط بالكثير من الأراضي القابلة للزراعة، ولكن البلد مشلول من هذه الناحية، وذلك من خلال تعطيل قانون الإصلاح العقاري، لأن هذه الأراضي يستحوذ عليها رؤساء القبائل والمجموعات وؤساء القرى.

كما أنه تم الالتفاف على هذا الإصلاح العقاري، وذلك من خلال تقسيم الأراضي على مجموعة من الضباط والجيش، وهكذا تم انتزاع الأراضي من أيدي من يستغلونها وإعطائها لأشخاص لا يستثمرونها ولا علاقة لهم بالزراعة البتة.

وهناك مناطق لم يعلم أهلها حتى بهذا الإصلاح العقاري، خصوصا في الشمال، ففي الشمال هنالك الوديان والواحات والبطاح، وهناك مكونة لحراطين وهم مزارعون ولكنهم لا يملكون الأرض، لأنها محتكرة من قبل شيوخ القبائل، سواء في تامورت انعاج أو في آدرار أو في مناطق أخرى، وهنا أقول إنه لا بد من تطبيق قانون الإصلاح العقاري،  وليس تقسيم الأراضي على الضباط لخلق طبقة “كانست” جديدة تكون بديلا لشيوخ القبائل بينما يبقى المزارعون الحقيقيون ضحايا.

لدينا أيضا الذهب، فهذه المنطقة الممتدة من تازيازت إلى وادي الذهب في جنوب الصحراء الغربية كلها مناطق غنية بالذهب.

أريد أن أؤكد هنا كذلك أن البترول يوجد حتى في جنوب تيشيت، وقد تمت دراسة الموضوع فوجدوا أن تكلفة استخراجه عالية جدا. وهناك بترول أيضا في الحدود الموريتانية الجزائرية.

ولكن مع كل هذه الثروات فإن التحدي الأساسي يظل هو تسييرها، وكيفية استخراجها وانعكاسات ذلك الصحية والإيكولوجية، لا سيما في ظل ما يستخدم من مواد سامة في عملية الاستخراج والتي تتسربخلالها هذه المواد السامة للمياه الجوفية ولمياه البحر مما ينتج عنه دمير كبير للثروة البحرية وتهديد لحياة الناس والحيوانات.

سأعطيك مثالا يتعلق بسوء التسيير بمشروع استغلال حقل السلحفاة، وما الذي قام به جارنا الشريك فيه، السنغال، لقد نظم السنغاليون أياما تشاورية حول كيفية استغلال هذه الثروة، وشكلوا مؤسسة تناقش؛ وبشكل مفتوح وعام؛ كيفية تسيير هذه الثروة ابتداء من 2022، أما هنا في موريتانيا فإنه لا أحد يدري ما الذي يجري باستثناء السلطات العليا أو الشركات التي تستخرج هذه الثروات، وهذا أمر جدي وخطير، وأعتقد أن أهم ما في الديموقراطية هو إشراك الشعب في تسيير ثرواته.

أخيرا سأتحدث عن موقف حزبنا من الانتخابات المزمعة، فنحن في التحالف الشعبي التقدمي لم نقدم مرشحا، لأن الرئيس مسعود ولد بلخير – كما تعلمون- قد تجاوز سن الترشح التي حددها القانون، صحيح أنه لدينا مجموعة من الأطر الشباب وذوي الكفاءات، ولكن الجانب التمويلي يظل هو العائق الأساسي.

ونحن الآن بصدد التشاور مع المترشحين، فبعد أن فشلت الأحزاب السياسية في اعتماد مرشح واحد، قمنا بالتواصل مع مختلف الشركاء السياسيين والمرشحين، وسوف نختار من نرى أنه يمثل برنامجنا السياسي ويتنباه، وبرنامجنا السياسي قائم أساسا على الاستقرار والسلام وتوطيد الوحدة الوطنية، وترسيخ الديموقراطية والعدالة الاجتماعية، وإصلاح وكالة التضامن، ففي الدول التي فيها وكالات من هذا القبيل يكون دورها تحرير ضحايا الاسترقاق اقتصاديا وسياسيا وثقافيا وتكوينهم سبيلا إلى دمجهم في المجتمع؛ ليكونوا مواطنين صالحين، وليس استفادة مجموعة ضيقة لا علاقة لها بضحايا الاسترقاق كما يحدث الآن.

كذلك نعتقد أنه يجب ترسيم اللغات الوطنية وإدماجها في النظام التربوي، لأن هناك تجربة كبيرة في هذا المجال، وهي تجربة ناجحة في بعض الدول الأفريقية، وأعطت نتائج نتائج إيجابية جدا، لذا نطالب بترسيم وتدريس البولارية والولفية والسوننكية. كما أننا نطالب بإصلاح اللجنة الوطنية المستقلة من أجل تنظيم انتخابات شفافة وذات مصداقية.

في الختام أشكركم في تقدمي على إتاحة هذه الفرصة لي للحديث.

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى