نوحيات

احتمال أن تحكم موريتانيا امرأة 2019؟/ الشيخ نوح

تم تحديد المتسابقين إلى القصر الرئاسي، إنهم ستة رجال، أو دعني أقول خمسة كهول وشاب أبكم!كانت هناك سيدة تقدمت للترشح ولكن ملفها فيما لم يؤخذ ترشحها على محمل الجد، وأفرزت الآلة الانتخابية ستة متشابهون جندريا، أو إذا أراد المرء أن يكون موريتانيا حتى الصميم، فإنه سيقول بشكل مباشر وبلا مواربة: إنهم أربعة “بيطان” و”حرطاني” واحد، و”فلاني” لم يعرف بأي موقف راديكالي أو توجه سياسي حدي.
لا أحد اعترض على الأمر ولا أحد لاحظ حتى غياب “مرشحة” عن هذا السباق الررئاسي، وحتى “المستقلة للانتخابات” التي رفضت اقتراح المعارضة المتعلق بممثليها بذريعة أنه لا توجد في اللائحة المقترحة امرأة، مر عليها هذا الأمر كأن حاستها المنبهة إلى غياب التمثيل الجندري قد تعطلت.. غير أن غير الطبيعي هو أن يلاحظ السياسيون ذلك، لا سيما سياسيون ينحدرون من مجتمع ذكوري حتى الجذور، ما زالت فيه قضية المرأة محكومة بنظرة فقهية مصوبة من عصور الانحطاط والخرافة؛ تجاه كل ما يتعلق بحواء.
نظرة اختزالية تؤطر كلما هو مؤنث في خانة الضد، ضد الشيء. فالذكاء يحتاج ضدا ليكون، والعقل يحتاج أيضا ضدا ليتجلى، والقوة بحاجة إلى ضجها على الضفة من الذات الإنسانية، وكل ذلك بلبوس ديني وتأويلات قداسية تعبر بأمانة عن العصر الذي اخترعت فيه، وليس عن صيرورة الحياة البشرية وحركة الأفكار والمعرفة في المكان والزمان.
لقد صدع الموريتانيون رؤوسنا بحقوق المرأة وما حققته من تقدم، ولكن محاولة الوصول إلى صناعة القرار السياسي ما زال شأنا ذكوريا بحتا، وحتى لو تم اختيار امرأة من طرف “النظام الحاكم” فإنني أشك في أنها ستحقق نتائج مهمة، لأن المجتمع العميق والدولة العميقة، ورجال الدين والسياسة والمجتمع “لن يعصوا الله ورسوله ويولوا أمرهم امرأة خوفا من الخسارة”، فالنسخة المنتشرة من الدين والتأويلات التي ما زالت تُدرس في المحاظر والمدارس والمعاهد والجامعات، هي تأويلات عنصرية تجاه المرأة وتجاه العبيد، وتجاه المختلفين دينيا، وحتى المختلفين في المذهب.. هل يمكن لشيعي مثلا أن يفكر في الترشح- مجرد الترشح- لرئاسة موريتانيا؟.
ليس هناك تغيير اجتماعي حقيقي في البلد، وكل ما هناك هو إعادة إنتاج للمجتمع التقليدي و”الفركاني” والذكوري الفحولي؛ بوسائل الدولة وآلياتها، وهو مجتمع يقوم على قمع تطلعات الفرد، وخلق الكانتونات المتشابهة، وتقديس الجماجم الميتة، التي ما زالت تقوده وتملي عليه أنماط علاقاته ورؤاه السياسية والاجتماعية والفلسفية في شكل تقاليد وتراث يمجَّدان على مدار الساعة، “كأن الزمن يسافر في الشخوص”.
لا أعتقد أنه في المستقبل المنظور يمكن لموريتانيا أن يحكمها أسود مثلا، سواء كان حرظانيا أو بولاريا أو ولفيا أو سوننكيا، إلا إذا كان “خروفا أسود”، وليس رئيسا بصلاحيات كاملة، فالمجتمع في علاقاته وتصوراته ما زال محكوما في عمقه بعقليات عنصرية، واصطفافات على أساس الانتمائات البدائية ما قبل الدولتية، وكل ذلك معضد برأس مال تراكم على مدى نصف قرن في يد يمين المجتمع والعسكر، وهي توليفة بحاجة إلى زمن يكفي، وحراك اجتماعي يكفي، وصدمات كافية، وتغيرات ستكون مؤلمة لا شك تكفي لقطع خطوة إلى الأمام، وليس فقط إلى المسكنات والخطابات الباردة، والتي لا تلمس الجراح وإنما تخدرها ليس إلا!
ما لم تتحرر المرأة اقتصاديا وثقافيا من سطوة العقل الذكوري، ومن صور تنميطية تُقدَّم لها بوصفها نموذجا أعلى لما يجب أن تكون عليه المرأة، وما لم يتحرر الرجل – وهذا الأهم- من مركزيته المبنية على الفحولة، والمستمدة من تراكمات ضاربة في عمق الثقافة والفقه والسياسة والاجتماع، فإن قضية المرأة ستظل مجرد موضوع للمساومة والاستغلال، كما هو حال القضايا العادلة والجادة، والتي لن تجد مكانها الحقيقي قبل خلخلة المنظومة الاقتصادية، ثم الاجتماعية والفكرية والفقهية برمتها.
ستة مرشحين رجال، وهذا لم يثر انتباه أحد، ولا غضبه، ولا غثيانه، ولا ثورته ولا حتى شعوره بالعار والذل..
ستة مترشحين رجال، هل هناك احتمال معهم أن تحكم موريتانيا امرأةٌٌ في انتخابات يونيو 2019؟

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى