بالهمس

أمر الولي غزواني/ أبو العباس ابرهام

 
“ما نُسميِّه انقياداً ليس إلاّ قنوطاً مؤكَداً”
(ثورو)

على الفضاء الافتراضي سَكّ الموريتانيون مصطلَح الغزونة. لم يضبط هذا المفهوم ؛ وبقي وشائجياً وشاعِرياً. لكنّه محاولة شعبيّةللإحاطة بالمعاني التي يأتي بها تسيّد الفريق محمد ولد الغزواني. الجمهور على وعيٍ بأنّ ظاهرة سياسيّة حريّة بالانتباه تواكِبُ صعود الفريق. ليست هذه الظاهِرة مجرّد هندسة الدولة الرّيْعِيّة للسياسة، كما أنّها ليست عبقريّة ونبويّة شخصٍ واحِد، ولا هي كذلك مجرّد فرصة للانتهازيّة لاستغلال الانتقال السياسي من أجل الانبطاحوالتكسّب. إنّها كلّ هذا؛ ولكنّها أيضاً، و بالأحرى، تلاقُح اتجاهيْن:الأول، آمال البرجوازيّة والأعيان والزبناء في تأمين العقد السياسي الكلاسيكي وإصمات الشقاق السياسي لوقتٍ؛ والثاني، تنافُس قيادات المعارضة ومنشقي الاغلبيّة مع الأغلبيّة الحاليّة على الرّيْع.إنّ الغزونة بهذا المعنى هي حلبة جديدة للسياسة بعد تدمير أو إضعاف ثنائيّة الموالاة والمعارضة، من خلال تحويل الموالاة إلى مجال حصري للفعل السياسي.

-2-

ليس غزواني إذاً أهمّ شيئٍ في الغزوانيّة، وإنْ كان عنوانَها. إنّه قائد لانقياد يفوقُه. يعرِف العالم أنّ مشروع المأموريّة الثالثة قد انهزم في موريتانيا، ولكنّه يجهَل من يُعدُّ للتكمِلة. ما زال غزواني تقريباً مجهولاً خارِجياً: لم يدخل موسوعة ويكيبيديا من حيث هي موسوعة شعبيّة إلاّ قبل شهرين، ربّما بمبادرة من أشياعِه، وحتّى إذْ ذاك فقد بقي تعريفُه في حدود السطريْن، وبلغة وحيِدة. ورغم أنّه حليف لوزارة الدِّفاع الفرنسيّة، باعتباره قائداً لفترة طويلة للأركان الموريتانيّة في فترة زيد فيها من الانفاق العسكري والتعاون مع فرنسا وأميركا، إنْ لم يكن فرنسا-أميركا، فإنّه إلى حدِّ الآن لم يُعرَف، أحرى أن يُعمّد كشريكٍ سياسي دولي. وحتّى محليّاً ما زال تقريباً يُعرَفُ عنه القليل؛ وإنْ كانَ يعقدُ عليه الكثير. من ذلك أنّه كان أساسياً في انقلابَي 2005 و2008. بعبارة أخرى لم يكن يُعرَفُ عنه علنياً إلاّ أدوارَه السريّة. إنّه بهذا المعنى، متآمِر، بلغة القرن التاسِع عشر، لغة ألكسندر ديما، ولويس أوغست بلانكي، وإيطاليا الفتاة، والأتراك الشبّان. ولا يُقصَدُ بهذا المعنى الثلاّب، الذي قد يتبادَر للذهن، وإنّما أنّه استراتيجي من وراء الكواليس.

إنّه يحيك غزلَه في الظلمة. هذه الخصلة تعزّزت في الفترة الغامِضة من التاريخ الراهِن لموريتانيا في 2012 عندما أدار الفريق بالفعل فترةً انتقاليّة في الأربعين يوماً التي غاب فيها الجنرال عزيز متعالجاًفي باريس بعد إصابته بطلق ناري في أحداثٍ غامِضة، بل ومشبوهة، في “اطويلة”، خارج العاصِمة. وإذا كانت تلك الإدارة نبراساً في فهم جنرالنا فإنّها اتسمَت بحذاقة حريّة بالانتباه: فقد سدّ فيها الفراغ السياسي؛ وأحكَم فيها القبض على السلطة فيما أوحى بأنّ الجنرال عزيز سيُغادِر المشهَد، فطمأن المعارضة وشغَل مجتمع الإشاعة وصهصه الجميع، موهِماً بحوارٍ وطني شامِل على الأبواب. في المقابل كان هذا بالون اختبار لقياداتٍ من الحزبالحاكم أظهَرت زهداً في الجنرال عزيز. وأنتَجَ هذا حالةً من أحلام اليقظة العامّة. استحكمت حقنة التهدئة في المعارضة واختُبِر رجالات النظام الحقيقيين. وبالنهاية أعاد العسكر الحُكم للجنرال عزيز فيما تمّت تعبئة الشعب لاستقبال عارم ومتعاطِف معه. تضارب العسكر الأكُفّْ وعادوا لثكناتِهم. آخر مرّة قيم فيها بهذا السيناريو الشجر-درِّي المعاكِس كانت في أيام اعلي شنظورة.

 

-3-

ضربة مُعلِّم؟ ليس بالضرورة. فلم يسلَم غزواني من ارتكاب الأخطاء، وحتّى الإخفاق. صحيح أنّ محاولة توريطِه في مستنقَعqq فضائحي لم تنجح، بسبب تسامي السياسة الأرستقراطيّة الموريتانيّة عن تسييس المثالب أو بسبب جمعِها بين “السِّترة والتحلقم”. ولكنّه خسر عدّة نقاط، رغم هذا. فبعد خطابٍ أوّلي ارتفَعت فيه أسهُمُه عندما شدّد على العهد والأخلاق، سرعان ما هبطَ مستواه إلى التكرار والحذلقة والكواليسيّة وعدم المهنيّة (اتفلفيش). ففي المذرذرة بدا غير قادِرٍ على السيطرة على موكِبِه، الذي ظلّ يُثرثِرُ حولَه حتّى أفسَد خطابة. لم يُعطِ استسلامه لهذا الموكب الطرطيفي صورة الحاكم الأشكم، القادِر على لجم السراي، خصوصاً أنّ معظم مفاسِد القصر الرئاسي في موريتانيا جاءت من الحريم السياسي. وما هو أسوأ أن الفريق أظهَر تبجيلاً لهذا الحريم الفاسد، كما لم يستطِع فرض شخصيتِه السياسيّة عندما استلمت الحكومة القائمة إدارة حملتِه، مغيبةً بصمته على مشروعِه. بالكاد نجح في اختيار مستشارٍ واحِدٍ له من خارج العُجمة القائمة، ما شكّك في قدرتِه على إحقاق القطيعة أو حتّى المصالحة. ورغم أنّه جاء على ظهر حركة سياسيّة قويّة في الشرق، فإنّه لم يستطِع لملمة كلّ الخلافات الأهليّة في تلك النواحي ما أفضى في النهاية إلى رشقِ موكِبه. أيضاً ليس مسارُه في التعدّدية واعِداً. فرغم أنّه أوحى بضرورة رتق وانتشال طبقة الحراطين المُهمّشة إلاّ أنّه لم يعكِس ذلك في التمثيل السياسي في إدارة حملتِه. وما هو أسوأ أنّه، في إحدى خطاباتِه، كان يقِفُ وراءه رجلٌ بدا من هذه الشريحة وهو يوضِّبُ له كمّ دراعتِه كلّما سقط! بدا كحاكِم أرستقراطي له حاجِب مكلّفٌ بتعديل طيْلَسانِه. انهارت وعودُه بالزعامة وبالمساواة.

-3-

غير أنّ كلّ هذه النُذُر لم تُبطِّئ من مسيرة الإقبال، بل وحتّى الحجِّ،إليه، ما سيُسمّى شعبياً بالشقلبة: قفز الناس إليه من مواقِعِهمالمعارِضة. لعدّة أسباب. بعضُها موضوعي، ولا شأنَ له بها: وهي موتان المعارضة التقليديّة؛ و“زوغة” الفاشلين في الرهانات على التحوّل السياسي في هذه المعارضة؛ وخيبة آمال قادة الصفّ الأوّل والثاني من المعارضة من نضالاتِهم المعارِضة وفشلهم في التدرّج ووراثة النضال؛ واستراتيجيات البقاء التي يرومُها رجال أعمال المعارضة وقادة الجمعيات الخيريّة الإسلاميّة بعد إحكام الخناق عليهم؛ أو توسّمُهِم فُرصاً في العهد الجديد. إلاّ أنّ بعضَ شعبِيتِه يعود إليه. فقد بدا بعكس الجنرال عزيز رجلاً يمكن للمجتمع الأهلي والبيروقراطي والسياسي أنْ يتعاقَد معه. فعلى مدى حكمِه المضطرِب استخدَم الجنرال عزيز استراتيجيات المفاوضة مع المعارضة إما لحرق وتدمير مصداقيّةِ من تعاقَدَ معه وبايَعه أو للماطلة والتسويف وتفويت الوقت وللإنحناء للعاصِفة السياسيّة.وهكذا بعكس نظام ولد الطايع، لم تكن هنالك لغة واضِحة وتعاقُديّة للرَيْع وللسلطة؛ ودُمِّرت السياسة من حيث هي فنّ التعاقد وتحريك البيادق. في هذه الظروف كانت شخصيّة غزواني، وتأكيده على العهد وتجافيه عن الفحش السياسي الذي واكَب العشريّة المنصرِمة وتشديدُه على الأخلاق والتوقير، مناسِبة لكلّ هؤلاء الذين لم يكونوا ينتظِرون إلاّ سلطاناً له كلِمة ويمكن التعاقُد معه. أضفِ إلى هذا ما يفعلُه في الكواليس من مدِّ اليدِ إلى المعارضة طلباً للحوار معها ومن مقابلة أفراد المجتمع السياسي والمدَني وممّا يبدو أنّه يُقدِّمُه سِرّاً من وعود للمنشقين والمترجِّلين إليه.

-4-

يبدو شخصاً جدِيّاً (وإنْ كان حائراً ومُبتدِئاً)،مختلفاً عن سلفِه المستهتِر؛ لكنّه لا يملِك كلّ أمرِه؛ وليس حتى الأهَمّ في فهم ظاهِرته، ظاهرة الغزونة نفسها. ومن الأجدى النظر إلى هذه الظاهِرة على أنّها حِراك سياسي متعدّد الديناميكيات. وما يبدو هو أنّ حِراكيْن يُعرِّفان هذه الظاهِرة السياسيّة: الأوّل هو إعادة تمركز وتزاحُم قوى النظام؛ والثاني هو عواقِب فتور الكتلة التاريخيّة المسمّاة بالمعارضة. وبدورِه فإنّ هذا يُحيل إلى حركتيْن: إعادة تشكيل الطبقة الحاكِمة ومحاولة إعادة طرح العقد الاجتماعي. إلاّ أنّ من الأجدى قراءة هذه الديناميكيات الغزوانيّة كلّ على حِدة.

-5-

فمن ناحيّة النظام الحاكِم يبدو أنّ الطبقة الحاكمة احتضَنت الوافِد الجديد بدل أنْ تُقاوِمه. ليس هذا بِدهياً كما يُظنّ عن الدولة الريعيّة؛فقد عبّرت الطبقة الحاكمة عن قدرة على مخاصمة النظام أدّت إلى انقلاب ضدّ سيدِ ولد الشيخ عبد الله ومغاضبات قويّة ضدّ ولد عبد العزيز. تنقسِم الطبقة الحاكمة تقليدياً إلى بيروقراطيّة وقوى عشائرية ورجال أعمال وشبكة من منظّمات “المجتمع المدني تضمّ المورِّدين والزبناء ودوائر معارف كلّ هؤلاء. في 2008 مالت هذه الطبقة طبيعياً إلى النظام ولكنّ ليس بدون أن يشتبَك معه جزءٌ منها. فقد ظلّت البيروقراطيّة تُقاوم هيمنة ولد عبد العزيز، معطِّلة قراراته ومسرِّبةً وثائق فسادِه، فسبّبت له إحراجاً كبيراً. ولم يفلح عزيز في لجم البيروقراطيّة إلاّ بعد فترة، استدعت تصفيّة جزء من البيروقراطيّة وتمكين نُخبة جديدة. أمّا رجال أعمال العهد الطائعيفقد قاوم سُراتهم محاولات الجنرال عزيز خلق أغنياء جُدد على حسابِهم ودخلوا في حرب معه.

إلى حدِّ الآن لم تمارِس نفس الطبقة هذا التوتّر مع غزواني، رغم أنّه يُهدِّدها بدمٍ جديد من “المتشقلِبين”. فسرعان ما انفضَت عمليّة تعبئة المجتمع العشائري في حِراك “المأمورية الثالثة” الغامضة (يناير-مارس 2019)، وأعادت نفس القوى العشائرية اصطفافَها خلف غزواني من خلال حركة البداية ومنسِقيّات دعم غزوانيوالرؤية ناهيك عن مبادرات لاحصر لها من العشائريين والأعيان والأسر السياسيّة. بل إنّ جزءاً من فشل عملية المأموريّة الثالثة عاد إلى مقاومة نوّاب الشرق لمشروع التمديد. وسيشكّل هؤلاء نواة وعي غزواني جديد. أما رجال الأعمال المغاضِبون والقدماء فهم على شِقين: شقٌّ خرج من المعمعة في منفى اختياري، وينتظِرُ في صمتٍ، ربّما آملاً صفقةً تاريخيّة مع غزواني إذا استفرَد بالأمر بعد فترة (الأمثلة على هذا هي ولد بوعماتو وولد اعبيدنا، وربّما ولج الشافعي). وشقٌّ أفلح منذ إعادة العقد مع النظام (آل انويكِظ، آل عبد الله، آل تاج الدِّين، الخ). يبدو هؤلاء مُكرهون على دعم النظام. ولكنّهم ضُعِّفوا لصالح طبقة جديدة خلقها الجنرال عزيز، ولكنها طبقّة مرتزِقة، تستثري من الصفقات السريعة وتعيش برأس مال مُلفّق؛ وهي غير قادِرة على تمويل حملة انتخابيّة كبيرة. يُعوِّض الجنرال غزواني عدم اليقين هذا في طبقة المال والأعمال بتموّل من الدولة: طائراتها ومقراتها ولوجستيها وحرسها ووزراءها بل وحتّى موائد القصر الرئاسي واتصالاتِه. منذ 2008 جعل الجنرال عزيز من هذا نموذجاً. فعودة العسكر انتزعت التمويل من رجال المال. إنّ تأميم الحملة، بدل خصخصتها الطائعيّة، يمنع لوقتٍ صراعات الأغلبيّة.

-6-

حراك آخر يوازي هذا هو استعادة غزواني للأغلبيات التاريخيّة، التي شكّلت الصفّ الأوّل من الطبقات الحاكمة لكلِّ رئيس سابِق.كانت الأغلبيّة، من حيث هي مزيجٌ بيروقراطي وعشائري، منسجِمة دوماً مع الدولة بسبب الرّيْعيّة. ولكنّ هذا لم يمنَع من انقاسامات فِرقيّة ولاهوتيّة فيها على أساس الحقّ التاريخي. فقد انشقّت أغلبية اعلي ولد محمد فال وانطردَت في “اللقاء” فيما انشقّت أغلبية سيدِ ولد الشيخ عبد الله في “عادل”. أمّا أغلبيّة ولد الطايع فقد حدث فيها بدءً من 2008 انقلابٌ داخلي عندما صارَ بيجّل ولد حمّيْد زعيماً للطائعية المحدثة، مغيّباً القيادات القيمة في الحزب الجمهوري. مؤقتاً استعاد الجنرال عزيز بعض هذه القوى ولكنّه سرعان ما خسرَها بسبب عدم الوفاء بعهودِه لها (بما فيها قوى معارِضة من خارِج الأغلبيّة كـالحركة من أجل إعادة التأسيسوحاتم، الخ). مع اللحظة الغزوانيّة وجدت هذه القوى فرصة تاريخيّة في العودة للرّيْع، بتفاهمات كواليسيّة. فالتحق به اللقاء،الذي مثّل أكثر الأغلبيات التاريخيّة راديكاليّة تجاه ولد عبد العزيز (وربّما كان صراع ولد محمد فال مع عزيز صراعاً دموياً)،وعادِلو”التجمّع من أجل الدِّيمقراطيّة والوحدة”، وطبعاً الوئام، الذي اندمَج قبيل الغزونة في الاتحاد من أجل الجمهوريّة . إذاً ليست الغزونة فقط عمليّة استقطاب للمعارضة بل هي أساساً توحيدٌ تاريخي لأغلبيات تشرذمت. إنّها إعادة طرح الطبقة الحاكمة.

-7-

ولكن ليس بدون المعارضة أيضاً. إنّ قصّة التحاق القيادة الأماميّة من حزب التكتّل، أهمّ حزب معارض تاريخي، بغزواني تختلِف قليلاً. جزءٌ من طبيعة الأحزاب في موريتانيا هو أنّها مقولاتٌ فِرقيّة تقوم على الإماميّة (ما يُسمّى أحياناً بشخصنة الأحزاب) والمظلوميّةوالحقِّ التاريخي. وقد طبَع هذا التشخيص “الداداهيّة” وهي حركة تقوم على الحقّ التاريخي من نوع الفرغاسيّة والبيرونيّة في أميركا اللاتينيّة والغانديّة والبوتيّة في الهند وباكستان. إلاّ أنّ انتفاء الحقِّ التاريخي بانتهاء الأهليّة القانونية للترشّح الرئاسي لولد داداهجعلت قيادات الصفِّ الأوّل تُغادِر سجلّ الفرسان في الداداهيّة، خصوصاً بعد فشلِها في تحويل الداداهيّة إلى قوّة سياسيّة تداوليّة تترشّحُ من داخِلها. وهكذا تواكبت الغزوانية مع اكتشاف هذه القيادات التكتليّة لفضائل غزواني واستعادتها لدفاتر عناوينها في النظام. ونظراً لخبرتِها السياسيّة سرعان ما وجدت مقاعِد أماميّة في الحِراك الغزواني.

-8-

إلاّ أنّ أغرب الالتحاقات بالحِراك الغزواني جاءت من الإسلام السياسي. فقد تغلغت في هؤلاء المقولة الغزوانيّة إلى حدِّ دراميتبلبلت فيه صفوفهم وجاءوا فيه أحياناً في تلابيب بعضِهم. ينقسِمُ الإسلاميون الموريتانيون أساساً إلى عدّة قوى اجتماعيّة متبايِنة،يُنسَبون في الأدبيات عموماً إلى حركة ترييف المدينة التي هاجرت متأخِّرة إلى المدن ووقعت، متذمِّرة وطامِحة، في أسفل الطبقة الوسطى من معلمين وأساتِذة وطلاب وتجار تجزئة ورجالات دِين. إلاّ أنّ أربع بُنى اجتماعيّة تُلخِّصُ جمهرتهم: الحركة الطلابيّة، الأكثر إخلاصاً وتفانياً وتعصّباً؛ وتُجّار الجزئة؛ والمغترِبين الذين ارتقوا من هذه الخلاصات ووجدوا توظيفاً خارجياً في العلاقات الدوليّة الإخوانيّة؛ وما بدون هؤلاء “رجال الغيث”، المتمثِّلين في كبار المُلاّك والوُعّاظ ومدراء وموّظفي المؤسّسات الخيريّة والمحاظِر، التي تتلقّى وتُباشِر الصدقات والتعليم (كما تتقاضى منها). في الأشهر الأخيرة وجّه نظام ولد عبد العزيز ضربّة قويّة للأخيرين بتجفيف منابِعهم. غير أنّ هذا لم يؤدِّ إلى نقمة من هؤلاء، وإنّما إلى هرولتِهم إلى النظام أو مداراتِه إمّا حفاظاً على مصالِحهم أو تحرّراً من وهم مشروعِهم. وهكذا وجد هؤلاء أنفسَهم في حضن غزواني، خصوصاً أنّ خيار دعم رئيس وزراء ولد الطايِع لم يكن حصيفاً بالنسبة لهم. أمّا المتغرِّبون  فقد انقسَموا كذلك لأسبابٍ أكثرُها استراتيجي وأقلّها ريْعي. راهن شقٌّ منهم على غزواني، إمّا كخيارٍ استراتيجي للإسلاميين أو كسلام طويل الأمد معهم في سياق تهدئة لازمة في “الربيع العربي” أو ربّما كخيار بعيد المدى وربّما بديل للمشروع القائم، منتهجين في ذلك مشروع الأسلمة من الداخل الذي تبنّاه الآباء المؤسِّسون للحركة الإسلامية في العهد الطائعي.

-9-

إلى حدِّ الآن لم تظهَر عواقب انخراميّة ذات بال في البقيّة الباقيّة من المعارضة، المتمثِّلة في بقيّة البنى السياسيّة في المعارضة من طلاّب الإسلاميين ودعاتِهم ومناضلي الصفِّ الثاني من شباب التكتّل والعوائل الدّاداهيّة الأصيلة وفي اتحاد قوى التقدّم وحركة إيرا والنقابات. كان نظام عزيز قد اخترَق هؤلاء وكسب منهم منشقين عبر السنين، ولكنّهم إلى حدِّ الآن يبدون غير متأثِّرين بالحراك الغزواني. يبدو قُدماً أنّ صراعات قويّة، ذات أسُس فكريّة، تقومُ في “اتحاد قوى النقدّم”، ولكنّها إلى حدِ الآن لم تتأثّر بالكاريزما والحِراك الغزوانيّ. إلاّ أنّ هذه المعارضة تبدو ضعيفة، رغم مكتسبات محدودة الأثر في الرأي العام، ولكن ليس في القوى الاجتماعيّة الكبيرة. فيما يخصّ ولد بُبكّر، يبدو أنّه من الإشكالي تعداده معارضاً، رغم كونه مرشّح أكبر حِزب معارض الآن، بالنظر إلى غيابِ رأيٍّ معارِضٍ سابِق له أو حتّى قويٍّ له حالياً. وإذا كان هذا صحيحاً فإنّ المعارضة قد انخذلت إلى نواتِها الأولى في مطلع التسعينيات، وهي الكادحين والعمّال الحراطين، وفقدت قدرتها على استقطاب مغاضبي النظام، بسبب الحراك الغزواني الذي استعاد المغاضبين التاريخيين في لمح البصر.

-10-

رغم كلّ هذا الحماس إزاء غزواني، لا يوجد إلى حدِّ الآن محتوى فِكري ولا برنامجي للغزوانيّة. وهذا بالذات هو خطورتُها. فمراهنة كلّ هذه القوى السياسيّة المتباينة على غزواني دون الاعتناء حتّى بالاتفاق على التفاصيل يخاطِر بأن يُشكِّل ذلك المنحنى المألوف في الفاشيّة وفي الإسلامويّة، ألا وهو الاعتقاد بأنّه يمكن تجاوز التناقضات السياسيّة من خلال “الإجماع” وإصمات السياسي. هذه هي سياسات “اجماعة” و”تغلاظ الحسبة” في السياسة العشائرية البيضانيّة، وهو تتفِق مع الفاشيّة والإسلامويّة في الإجماع والبيعة وفي الرهان على القوة الصلبة والإرادة الحسنة للفاعلين السياسيين من خلال   السُّراة والعِلية والمصطفين من جيلِهم، رغم التناقضات البيّنة بين هؤلاء الفاعلين. وبمعنى آخر فإنّ الغزونة تعمد إلى إصمات المشاكل من خلال التركيز على العقدالاجتماعي والأخلاق. لن يُفلِحَ هذا المشروع: فستنشَبُ بسرعةٍ حروب التنافُس بين المتشقلِبين والخُلّص، وبين السابقين السابقين والمقرّبين والأكفاء، ما سيؤدي إما إلى حرب أهليّة في النظام كما في 2008 أو إلى مغاضبات وانسحابات كما فيما بعد 2008. ثانياً، لن تُفلِح الغزونة، بما هي حركة تُحاول سكِّ إجماعٍ وطني، في لجم المطالب والاحتجاجات الاجتماعية. وإذا أفلَحت، بفعل عامل الشيخوخة وتجفيف المنابِع، في سحق المعارضة فإنّ قوّةً معارِضة من خلال الحركات الشعبيّة والنقابيّة، يميناً أو يساراً، ستكون هي البديل للمعارضة وستُفشِل آمال الغزونة بعصرٍ سياسي صافٍ وخالٍ من القلاقل. وبطبيعة الحال فإنّ عدم اهتمام الغزونة بعقد اجتماعي أو تمييز إيجابي أو حتّى لوك شعارات إزاء الفقراء والمفُقّرين وفضائح الفساد التي ستثابِرُ في العهد الجديد ستكون معينة على هذا التبلوُر.

 

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى