تحقيقات

جهاز الشرطة.. المسدسات المقهورة!

أمين ولد شيغالي

يعيش قطاع الشرطة منذ سنوات تذمرا داخليا، خصوصا بعد الزج به في أتون المعارك السياسية بين محمد ولد عبد العزيز واعل ولد محمد فال، مما جعل عزيز يتخذ إجراءات للحد من سطوة اليد التي اعتبرها وفية لغريمه السياسي.

كان من بين هذه الإجراءات خلق جهاز  جديد أطلق عليه “أمن الطرق”، تولى تأسيسه وقيادته لسنوات، الضابط في الجيش مسغارو ولد اغويزي، حتى أخذ الجهاز اسمه من اسم قائده في التداول الشعبي.

غير أن مآخذ الشرطة على السلطات لها تاريخ أبعد من ذلك، وإن كان حكم ولد عبد العزيز أدى إلى تفاقمها ورفع حدتها، كما أن هناك مشاكل أخرى بنيوية تتعلق بجهاز الشرطة نفسه، وبالفساد الذي يتورط فيه عناصر الجهاز وضباطه ومفوضوه.

جهاز شرطة بقيادة عسكرية

تتذمر الشرطة من أنه منذ تأسيسها لم يتول أي ضابط منها إدارة الأمن، لأن إدارة الأمن كانت دائما من نصيب ضباط الجيش، ولعل اعل ولد محمد فال الذي تولاها زهاء عشرين عاما من أشهر مديري الأمن، وتقول السلطات إن الرتب التي  يمكنها أن تتولى إدارة الأمن لم تكن متوفرة في جهاز الشرطة ،وهذا ما حتم أن يتولى ضابط عسكري هذا المنصب، فقد كانت رتبة مفوض إقليمي هي الأعلى في سلك الشرطة، قبل أن يتم مؤخرا ترقية ثلاث  ضباط إلى رتبة “مفوض مراقب”، والتي  تعادل  رتبة جنرال في الجيش وهم فالي ولد الطالب، و فضيلي و لد الناجي و سيدي ولد باب الحسن، وهو ما يخول أحدهم مستقبلا لشغل  منصب مدير الأمن.

ويرى العديد من المنخرطين في هذا الجهاز أن عدم معرفة ضباط الجيش بما يجري في سلك الشرطة، وبطبيعة عملهم أدى إلى تراكمات سلبية كثيرة، وغذى الفساد في القطاع، وكان مناخا جيدا لاستمرار العديد من التجاوزات، خاصة بحق الموظفين الصغار في هذا القطاع، وبلغ الأمر ذروته مع مجيء ولد عبد العزيز الذي استبدلهم بجهاز آخر يثق في موالاته له، في إطار صراعه مع مدير الأمن السابق اعل ولد محمد فال، والذي ما زال المنتمون إلى هذا القطاع يذكرونه بخير.

عندما اختار الاتحاد الأفريقي  قوات لحفظ السلام في السودان “دارفور”، غادرت البعثة الأولى من الشرطة عام 2007، وقد كانت العلاوة تناهز 4000 يورو شهريا كانت تسلم للمعنيين دفعة واحدة؛ بعد مدة سنة كاملة، وهو ما تزيد قيمته على 20 مليون أوقية قديمة، غير أنه بعد عودة الدفعة الأولى، استولى الجيش على المهمة وأصبح  يرسل  قوات تابعة له، وطلبت الحكومة الموريتانية أن يتم تحويل  الأموال  لحسابات  خاصة بها، وهكذا أصبح الفرد يتسلم حوالي 5 ملايين أوقية قديمة للسنة بدل 20 مليون، غير أن ما يأخذه قطاع الشرطة بالإضافة إلى هذا؛ هو أن أفراد الجيش حين يصلون إلى السودان ثم لاحقا إلى جمهورية وسط أفريقيافإنهم يقدمون أنفسهم  على أنهم شرطة، ويضعون شارات الشرطة على ياقات قمصانهم، وهو ما يستدعي تدريبهم من طرف  عناصر الشرطة على شاطئ المحيط الأطلسي هنا على تقنيات حفظ النظام والتي لم يتم تكوينهم علينا أصلا، ليستفيدوا من هذه البعثات وحدهم.

صاحب إحدى أهم وكالات تحويل الأموال في البلاد اليوم، كان من عناصر الشرطة، وبعد عودته من دارفور حصل على ما يضاهي عشرين مليون أوقية قديمة، استثمرها في مجال تحويل الأموال، واليوم أصبح ثريا بعد أن نجح مشروعه، وتدفقت عليه رؤوس الأموال المساهمة، وهو ما جعله يتعاطف مع عناصر الشرطة في مناسبات عدة.

وضع معيشي مرز وميزانيات منهوبة

عندما يتجول المرء ليلا في نواكشوط، ستصادفه سيارات شرطة مرابطة في قلب المدينة، وهي تابعة لشرطة المرور، أو تحت الإشراف المباشر لإدارة الأمن.

في كل سيارة أربعة عناصر (ثلاث وكلاء  وضابط صف)، ويبدو التعب غالبا والإرهاق على أولئك العناصر، والذين طالما تذمروا وشكوا لكل من توسموا فيه سعة في الرزق من أصحاب السيارات الفارهة، بل أحيانا  يصل الأمر درجة الاستجداء، وفي إحدى المرات اضطر أحد المواطنين أن يشتري المازوت لسيارة الشرطة، الذين أرادوا التدخل لفض نزاع بين طالبتي  صدقة تشاجرتا، فطعنت إحداهن الأخرى بسكين، مما اضطر الشرطة أن تحاول أن تقلها إلى المستشفى، ولكن المفاجأة كانت صادمة، حيث  لا مازوت في السيارة.

منذ هذه الحادثة  توقفت الإدارة عن إعطاء  الأوصال “بوهات” من أجل شراء المحروقات، وأصبحت تتعامل مع محطات لبيع المحروقات لملء خزانات سيارات الشرطة كل أسبوع، بينما كانت تمنح وصلا بقيمة 2000 قديمة لكل يوم فيما سبق.

ما زالت إدارة الأمن حتى الآن تخصص لكل سيارة من هذه السيارات مبلغ 500 ألف أوقية قديمة (نصف مليون) كميزانية للتموين بالمواد الغذائية والمحروقات، ولكن لا أحد يتلقى من عناصر يتذكر أنه تلقى شيئا من ذلك، وحتى في رمضان، فإن المفوض المعني يتعامل مع مطعم شعبي تعد صاحبته الطعام للشرطة، وهذا الطعام عبارة عن بعض الكسكس والبطاطس، يصفه أحد ضباط الصف الذين يتولون قيادة إحدى هذه السيارات بأنه ” ما تكد توكلو الحيوانات، وقليل جدا، مع العلم أنه في كل سيارة أربعة عناصر؛ أي ثلاث وكلاء وضابط صف، وهذا ما يضطرني أحيانا إلى أن أدع العناصر معي أن يذهبوا للإفطار في منازلهم، فأنا لا أملك ما أعد لهم به الإفطار، ولهذا وجدت هذا الحل.

أما بالنسبة للشرطة الذين يعملون في قصورالعدالة، فإنهم ليسوا أحسن حالا، فهم لا يستفيدون من العلاوات والحقوق التي تتوفر لمن هو في وضعهم، مثلا تخصص المحكمة في كل دورة مبلغ مليونين أوقية قديمة للأمن، ولكن أفراد الشرطة المرابطين لا يحصلون إلا على ألف أوقية لكل فرد، حسب مصدر في الشرطة.

في  المحاكم أيضا يتم تخصيص علاوة لتأمين السجناء بواقع 2000 أوقية قديمة لكل شرطي في كل مرافقة، ولكن كل هذه الأموال تجمع أسبوعيا، ويتسلمها المفوض دون أن يستفيد منها المعنيون.

لم تسلم البزات الرسمية من التقتير والنهب، فمن قبل كان يتلقى الشرطي بزتان كل سنة، تتكون من قطعتين تتكون الواحدة منهامن بزة كاملة وشارة وزوجي حذاء وقبعة ومنطقة، أما الآن فقد صار يتلقى قطعة واحدة كل سنتين تتألف فقط من بنطلون وياقة بدون شارات ولا قبعة ولا أحذية ولا منطقة وكل هذه الأشياء على الشرطي شراؤها من جيبه الخاص، وآخر مرة يتلقون ملابس جديدة كان أثناء تنظيم القمة الإفريقية في نواكشوط.

ويبدو أن الأمر في عهد ولد  الطايع كان أحسن منه في عهد عزيز حسب المعنيين، حيث في عهد الأول؛كان يمكن تنظيم إضراب احتجاجا على الفساد الداخلي أو طلبا لتحسين الظروف المزرية، بينما مع مجيء ولد عبد العزيز تم سن قانون يمنع الإضراب، بل يمكن أن يؤدي بصاحبه إلى الفصل.

تفاوت شاسع في الرواتب وفي الامتيازات

كان وكلاء الشرطة في عهد معاوية يتقاضون 12000 أوقية قديمة، ثم مع نهاية حكمه وصلت رواتبهم 2400 أوقية قديمة، وبعد مجيء اعل محمد فال ازدادات لتصل إلى  30000 أوقية، ثم مع نهاية حكمه القصير وصلت إلى 60000 أوقية قديمة، ومع مجيئ عزيز وعلى مدى عشر سينين ازدادت الرواتب فقط ب 18000 أوقية قديمة ورافقها ارتفاع هائل في الأسعار، بينما يناهز راتب المفوض الإقليمي نصف المليون، مع عاملين منزليين، وسيارتين ومنزلمدفوع الإيجار، بالإضافة إلى ميزانية تسيير.

رافق كل هذا تجفيف منابع – وإن كانت غير شرعية- كانت تستفيد منها الشرطة، قبل أن يتولى أفراد أمن الطرق مهام الشرطة بدعوى محاربة الفساد، ثم أصبح الجهاز الجديد يمارس نفس السلوك الذي كانت تمارسه الشرطة ويستفيد.

الجيش على اليمين وأمن الطرق على اليسار،والكماشة تضيق وتضيق على جهاز الشرطة، في إطار الحرب من أجل ريع الضرائب والرشاوى والأموال التي يتم تحصيلها بالابتزاز ومص دماء الشعب وعرقه، فيما يمكن أن نسميه حرب الأجهزة الضارية والمسدسات المقهورة. هذه الحرب التي تستنزف البلد، وتجعل أمنه واستقراره في مهب الريح.

 

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى