الافتتاحية

لا يجول في خَلَد البهيمة غير العشب/ حنفي ولد دهاه

لم يكن النذل محمد ولد عبد العزيز يملك يوماً مشروع مجتمع و لا برنامجاً سياسياً و لا رؤية ذات بصيرة، تخترق ضباب الوهم و حجاب الإماني و غشاوة الأحلام، أما و قد ظلم نفسه فانتدبها لما لا تستطيع، فلا ينبغي أن نظلمه فنطلب منه أن يعطي ماهو فاقده، فمن يطلب من قزم لمس الجوزاء، و من أعمى التقاط نثير الخرز فوق كثيب أهيَل، يمكنه أن يطلب من متشرد دارو موستي، الذي لم يتلقَ تربية و لا تعليما، و لم يكتسب ثقافة و لا تطلّعاً أن يخطط لمستقبل بلد فقير، بما يحقق فيه رفاهاً و رخاءً و نهضة حضارية.

لقد وصل الرجل إلى السلطة و هو يطارد جوعاً  للثراء، و جشعا للسلطة، و طمعاً في أن يكون “شيئاً” بعد أن كان أذل من فقع القاع. فكان كمن صام عاماً و كان مبرمجاً له أن يفطر على جرادة، غير أنه تفاجأ بموائد مصفوفة أمامه، و المؤذن يرفع عقيرته أن حان وقت إفطارك من جوع أبدي. و كما يقول المثل الحساني “من أمسك الجوعُ بتلابيبه ثم قتله، خير ممن أخلى سبيله”.. فالرجل الذي يتندر أصدقاءه بطرائف بخله و جشعه أصبح رئيس دولة.. فحدث و لا حرج عن لعاب يتعلّك كعقيد قَطِران.!

لم يكن ولد العزيز عاجزاً فحسب عن تسيير شؤون البلاد، و غير مؤهل فكرياً و نفسياً لحكمها، و لكنه أحاط أيضا نفسه بقطيع حيوانات لا تفكر في غير بطنه و بطونها، ثم طفق يكسر بمعوله الأصمّ كل ما شاده الرؤساء الذين حكموا البلاد قبله.

الرجل يتنفس سرقة و نهباً، و أفراخ البط عوّامون و عائمون، و الحيزبون زوجته تنهب كجرادة في سنبلة، و صهره يصهر فسادُه الحديد، و أبناء عمومته يأكلون بسبعة أمعاء.. هم رجال الأعمال، و المستوردون و المصدّرون، و باعة العقارات و السيارات و قطع غيارها.. هم مانحو الصفقات العمومية و الممنوحة لهم.. هم الوزراء و المدراء و السفراء و الفراشون و السكرتيرات.. هم المزارعون و المنمون و الرعاة.. و حتى القنوات و الإذاعات لم تمنح تراخيصها لغيرهم، فأداروها كما يدير أعرابي مركبة فضائية.

كان الرجل وقحاً في طريقة وصوله للحكم و أكثر وقاحة و هو يتأهب للرحيل. كل تصرفاته تدل على احتقاره لهذا الشعب، الذي يستحق فعلا الاحتقار لأنه بشيوخه و مشائخه و مثقفيه و عساكره و تجاره و صحافته لم يهزوا له الرأس عرضاً طوال عشر سنوات.

إنه أشبه، في هذه الأيام، بلص يسرق قصراً لحظاتٍ قبل بزوغ الفجر، فهو يسابق عقارب الساعة.. غيرَ أنه لا يمكن لبطنٍ أن تكون حقيبة لمسافر.

بعد نهب شركات و قتلها محواً لآثار الجريمة، يبيع النذل الساحات العمومية و المدارس و معالم المدينة التاريخية و مرافقها العمومية لأقاربه و المقربين منه، و يمكّن شاهبندر التجار “شين الناهبين” لا زينهم من احتكار كل الصفقات، غير أن الأمر ليس سوى إفاضة من ولد عبد العزيز إليه.

الآن، جاء دور “سنيم”، فتم تكليف اللصين محمد ولد امصبوع و محي الدين ولد الصحراوي ببيع منجم افديرك لشركة استرالية، مقرها في أكرا.. 

أكرا المومس التي تعرف أن ولد عبد العزيز ليس راهباً متبتلاً في صومعة العفاف.

لو يملك ولد عبد العزيز من الحكمة ملءَ وَفْضَة، لرضي من غنيمة الحكم بالإياب، دون متابعة أو عقاب، و لسهّل على ولد الغزواني مهمة حمايته، بكفّ كفه عن المال الحرام في الفترة التي يغادر فيها السلطة، و محاولة البقاء في الذاكرة الجمعية بما لا يزرع حقداً و لا نزعة انتقام.

لكنه لا شيء يجول في خٓلد البهيمة غير العشب.!

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى