حوارات ثقافية

د. أدي ولد آدبّ: الفيسبوك كسر سلطة النقد الاحترافي المفروضة على النص (مقابلة 1/2)

حوار الشيخ نوح

ظل وفيا للكتابة الشعرية من خارج الصندوق، ولم يجد نفسه في الخياة الثقافية كما هي في بلده. عرفته المنافي وعرفها، وكون نفسه بعيدا عن التجاذبات والتخندقات القبلية والإيديولوجية كما يقدم نفسه.
“تأويل رؤياي” هو آخر كتبه ولكنه ليس الأخير، في هذا الجزء الأول من حوارنا معه حاولنا طرح أسئلة نراها أساسية في إطار الاقتراب من عالم رجل الثقافة والأدب الدكتور أدي ولد آدبَّ.

“تأويل رؤياي” هو آخر أعمالك المنشورة، هو خلاصة ما وصلت إليه بعد ثلاث عقود من الكتابة، كما قد يتبادر إلى الذهن من العنوان؟

نعم هذا الكتاب صدر، قبل شهر؛ في إبريل 2019، مقدما بومضة خاطفة؛ تزعم أنه:

“سيرة قلم..عشق زراعة الحروف..في زوايا البياض…
بين الحاء والباء.. تعبدا
بين اللام والألف.. تمردا
فأينعت هنا عناقيد سطور…من تذوقها… ربما ألهمته ” تأويل رؤياي”

والحقيقة أنه ليس ” سيرة” هذا القلم المتواضع، بشكل مطلق، كما وصفته أنا، وليس “خلاصة ما وصلتُ إليه، بعد ثلاثة عقود من الكتابة”، كما وصفتْه حضرتكم، وإنما هو مجرد خلاصة مقالاتي، الصحفية،وتدويناتي، خلال هذا العقد الأخير، فليس فيه إلا مقال واحد مما كتبته في التسعينيات، رغم أني كنت يومها كاتبا في عدة صحف، ومدير تحرير لبعضها، ومعد صفحات ثقافية في جرائد أخرى، كما أنه لا يشمل أي مقال مما كتبته في العقد الأول من هذا القرن، رغم أني كنت خلال ثلاث سنوات منه كاتبا أسبوعيا في صفحة الرأي بجريدة الوطن القطرية…

ومع كل ذلك، فإن وصفك له بأنه خلاصة رؤاي في العقود الثلاثة، استقراء دقيق لروح العنوان/ النواة؛ حيث أضفت عنوانا فرعيا يزعم أن الكتاب” أطروحات صغيرة في الأدب والثقافة”، حيث لا أحب أن يتحرك قلمي إلا مدفوعا بأطروحة ما، ومما يعزز هذه الدعوى، أن كل القضايا التي أثرتها أنت هنا، تجد أجوبتي لها بين دفتي الكتاب نفسه.

 وهنا أهمس لك بسر أخصك به حول فلسفتي في النشر؛ حيث أردت أن يكون كتاب: “المفاضلات في الأدب الأندلسي/ الذهنية والأنساق”2015، شاهدا لصفة الباحث، و”بصمة روحي”2018تجليا لصفة الشاعر، و” تأويل رؤياي”2019 ، بطاقة للكاتب الصحفي.. حتى لا أكون داخلا تحت طائلة “انتحال الصفات”، المتفشي في” بلاد الألقاب السائبة”، كما وسمتها في مقال منشور بهذا العنوان.

منذ أكثر من عقد ونصف وأنت تعيش خارج موريتانيا بشكل أساسي، ما البصمة التي تركت الغربة في أعمالك وفي وجدانك، وهل أثرت على رؤيتك وعلاقتك بالوطن

الغربة.. يا صديقي.. قلما تكون خيارا، بل لا تكون-دائما إلا اضطرارا، لا سيما إذا كانت المنافي ليست من ذوات الخمس نجوم، فغربتي نصفها كان بحثا عن العلم، ونصفها الآخر كان بحثا عن العمل، فهي غربة نضال معرفي في الخنادق، ولم تك غربة ترف وسياحة بين الفنادق، فمنذ التسعينات أعلن الصعلوك المتمرد بين جوانحي عن نفسه، باسم: “تأبط أوراقا”، مستشعرا أن قدره أن يدمن الرحيل “بين الحاء والباء”، حيث تحول العنوانان، من قصيدتين، إلى ديوانين، نشرتهما معا وزارة الثقافة الجزائرية 2009،نعم : “الجزائرية”….

وقد كنت منذ تخرجي من الجامعة، ومن مدرسة تكوين الأساتذة 1991م، أطمح لمواصلة مشواري الأكاديمي، غير راض بالحدود التي رسمها لي الواقع، حتى سنحت الفرصة 2002م، بعد عشر سنواتمن التدريس بالتعليم الثانوي براتب حوالي 30ألف أوقية، ومن هنا بدأت غربتي الجسدية، رغم أن غربتي الروحية كانت متحققة، داخل النسق الاجتماعي، والفكري، والثقافي، والسياسي، والاقتصادي… ومهما تكن صعوبة ازدواج الغربتين، وشظف حياة طلب العلم.. فقد كانت بصمة حصاد الغربة، هي تطوير الذات، وتكوينها المستمر، وتنامي الإنجاز؛ حيث تكلل مساري الأكاديمي، بالشهادات العليا، وبأعلى التقديرات، وقرأت الكثير، وأنجزت عشرات البحوث الأدبية، التي نشر بعضها كتبا محكمة، وبعضها، أيضا في مجلات أو ندوات علمية محكمة، وما تزال بقية منها تنتظر..

كما نشرت كثيرا من المقالات، تضمن “تأويل رؤياي” حوالي 140 منها، وأسفر “نزيف مشاعري” عن حوالي عشرة دواوين، نشر منها ثلاثة حتى الآن، وشاركت في أكثر من 100نشاط ثقافي، نلت خلالها عشرات شهادات التقدير، وأجري معي كثير من المقابلات الإعلامية المسموعة، والمرئية، والمقروءة…وحصلت على فائض غامر من المحبة والصداقات والاحترام، هنا وهناك..

كل هذا – بفضل الله- دون أية دعاية ذاتية، ولا سند قبلي، ولا تخندق أيديولوجي، ولا استجداء لمنابر الثقافة والإعلام، ولا تملق لذوي الجاه والسلطان.. ولا نفخ لأرقام المنجز تزويرا وتضليلا، كما يستسهل الكثيرون.

فهل كنت سأحقق عشر هذا لو بقيت “رهين المحابس” الكثيرة، في وطني، الذي رجعت إليه بعد اكتمال مشواري الأكاديمي، طالبا مجرد حقي المشروع في الترقية المهنية إلى التعليم العالي، وعندما مُنِعْتَها، وبدأ الضياع يبتلعني، ولم أجد في وطني ثمرة تناسب ما زرعت، رأيت أن من حقي أن أمشي في مناكب الأرض، بحثا عن وضع أفضل، يكفل لي الحياة بشرف، بعيدا عن التموقعات المشروطة، بما لا ينسجم مع روحي، الرافضة للارتهان، لإكراهات الواقع الفاسد، فعاود “تأبط أوراقا” رحلته الأبدية “بين الحاء والباء”، مرددا “نشيد الشاعر المُهاجر”، الذي يدرك أن طمُوحه لوطنِه المَنْشُود أكبرُ منْ حَجْم وطنِه المَشْهُود، لكنَّه-مع كل ذلك- شديدُ الألفة، لفَضَاءاتِه الحَمِيمَة، وحتَّى لوْ كانتْ أطْلالاً بلاقِعَ، وهذا ما يُفاقِمُ أزمة مُواطَنَتِه، فبلادُه تسْكُنُه، وإنْ لمْ يَسْكُنْها، وتُهَاجِرُ فيه، إنْ هاجرَ عنْها، فهو يفِـرُّ منْها إليْها، في رحْلةٍ سِيزيفيةٍ، لأنَّ ضمِيرَه “ضميرٌ مُتَّصِلٌ” بالأرض وإنسانها، مهْما تضافَرَت العواملُ على جَعْلِه “ضميرًا مُنْفَصِلاً”، فيظلُّ يُغَنِّيها، في حين تُعَنِّيهِ، ويُدْنِيها، حين تنْفيه، ولذلك يحلو لي دائما أن أدندنُ تفلسفي في التصوف الوطني:

وَطَنِي.. عَلَى كَتِفِي.. حَمَلْتُكَ.. مِنْ … إلَى… 
إنِّي أُفَتِّشُ.. عَنَكَ.. فِـيكَ .. إلَـــــى مَ ..لا…؟
وأفِرُّ.. مِنْكَ.. إلـــيْكَ.. كُـــــلُّ قَصـــــــائدي
نَبْضُ الضَّمِير.. المُشْتَهـــــي أنْ يُـــوصَــلا

زبدة من يكتبون من جيلك إما رفعوا الرايات البيضاء يأسا من تحجر الواقع؛ أو ابتلعتهم المنافي والجغرافيات البعيدة، بماذا تفسر السر وراء هذه الهجرة النوعية في تقديرك؟

لعل تشخيص أزمة علاقة الشاعر المهاجر بأوطانه، عبر جدل الفصل والوصل، المبسوط، في جوابي للسؤال السابق، فيه ما يغني عن التكرار هنا، فأنا أذكر أنني عندما كنت أدرس في التسعينات مقرر باكالوريا، في ثانوياتنا، كنت أفتتح مقاربة الأدب المهجري، والأسباب الطاردة من الداخل، والأسباب الجاذبة من الخارج،بتوطئة مفادها: أن الإنسان عندما يضيق به وطنه، أو يضيق هو بوطنه، لا يكون هناك إلا حلين، لا بد من أحدهما، إما الثورة، وإما الهجرة.. وإلا فالموت، جوعا أو قهرا، وكمدا…

ومن هنا يكون استسلام النخب عموما، وتهافت الكتاب خصوصا، أمام واقع الرداءة المهيمن، راجعا- حسب نظري- إلى أن المناضل الثوري، والمثقف العضوي، والمقاوم البطل.. كانوا يستثمرون في رأس المال الرمزي، داخل حواضن اجتماعية، ودوائر ثقافية وفكرية، ترفعهم مكانا عليا، وتوفر لهم من التقدير الجماعي، ومن الرضى الذاتي، ما يعوضون به فقرهم المادي، وهذا ما يمنح صلابة لمنظومة القيم، ودعما نفسيا لحَمَلَتِها..

أما اليوم فقد انهار صرح القيم الرمزية، وماعت حواضنه التقليدية، في مصهر التغول المادي، واندكت حصونه أمام إعصار الرداءة العاتي… وأصبح كل ما حولك يشجعك على السقوط، حيث اختل مؤشر بوصلة المنطق.. وغامت الرؤى المثالية.. فتهافتت النخب، حتى تهافتَ التهافت.

وسائل التواصل الاجتماعي اقترحت أنماطا جديدة من العلاقات بين الأفراد، بما في ذلك العلاقة بين المبدعين والمتلقين، هل تعتقد أن عهد المثقف والمتخصص قد انتهى، ودخلنا في “العصر التواصلي” وتشاركية المعرفية، وانهيار المفاهيم القديمة؟

في عصر العولمة، و”ثورة الأزرار”- كما أسَمِّيها- انْدَكَّت الحدود،وانكشفت الحُجُبُ،واحتدمَ التفاعلُ بين الحضارات، والقارَّات، مما يسَّرَ تعْريةَ الذات في مرآة الآخر،ومن هنا تهاوَتْ مقولتا: المرْكز والأطراف، اللتين كانتا مُجَرَّدَ صناعة إعلامية، تغذِّيها روافدُ إيديولوجية، وإقليمية…. ولم تكونا – على كل حال- أزَلِيّتيْنِ، بل كانتا – في الواقع- مُعْطى حضاريا، مُتَحَوِّلا ومُتَبَدِّلا، فكمْ أصبحَ الطرَفُ مرْكزا، والمَرْكزُ طرَفًا، عبْر التاريخ!

ضمن هذه الرؤية التي طرحتُها ذات مرة، يتنزل جدل العلاقات المتفاعلة حاليا بين مختلف الأطراف في هذا” العصر التواصلي”، بما في ذلك علاقة المبدعين والمتلقين، وتحول “المركزية والطرفية” بينهما، ودليلا على توفيقك العجيب في انطلاق حوارنا من كتاب””تأويل رؤياي”، أحيلك على “أطروحات صغيرة” مثارة فيه حول فحوى سؤالك، تحت عنوان” صراع الإبداع والتلقي”، ص/208، و”الشاعر والجمهور: وجهان لعملة واحدة”، ص/210، و”الشعر والنقد: عبر منبر الفيسبوك”، ص/212..

 أجل إن منابر التواصل الاجتماعي من الفيسبوك وأخواته، قد قضت على سلطات التقييم، والتحكيم، والتحرير، والتدقيق.. قبل النشر.. فكسرت بذلك نمطية العلاقات بين المبدع والمتلقي، وبين الناشر والمنشور له، فأصبحت منصاتنقدعمومية، وتبعالذلك،ماعَالمشهدان: الشعريُّوالنقديُّمعًا،إذصاريخوضفيهماكلُّمَنْهبَّودَبَّ،مندونوازعداخلي،ولاأيةسلطةضبطخارجي.

لكن على الرغم من سلبية مشاعية منابر التواصل الاجتماعي،و”سَيْبَة”  التعليقات، والإعجابات فيها،مجاملة لمن تحب، ومنازلة لمن تكره،فإنها قد يسرت قنوات التفاعل بين المُتلقي الجيد ، والنصوص الرفيعة، فنالَ بعضُ المُبْدِعين المُبْعَدِين من الدائرة الضيقة  للنقاد المُحترفين، نصيبا من الاعتراف والتقدير والانتشار، ما كانوا ليجدوه لو لم يكسر منبر الفيس بوك وأخواته جدار احتكار سلطة النقد الاحترافي  بين ثُلَّة من الأولين، وثُلَّة من الآخرين، تتعالى-أكاديميا- في أبراجها العاجية، فيأتي إليها النص الإبداعي، أكثر مما تأتي إليه، ويبحث عنها أكثر مما تبحث عنه، وتفرض عليه رؤاها، ومناهجها النقدية، أكثر مما تسايره في آفاقه البِكْر التي يرتادها، حيث يحتدم الجدل الخلاق بين سلطة الشاعر والناقد أيهما ينبغي أن يقود الآخر، وأيهما السابق واللاحق.، ومن يوجه من؟

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى