مقالات

استطلاع آراء الموريتانيين حول الانتخابات: إشكاليات منهجية و مقترحات عملية

ارتبطت الحملة الرئاسية الأمريكية لانتخابات 1936 – التي أجريت إبان الكساد الكبير و أعيد فيها انتخاب الرئيس روزفلت- بأكبر خطأ في تاريخ استطلاعات الرأي. كانت مجلة “ليتراري دايجست” آنذاك من أوسع مجلات الرأي انتشارا و قد نالت سمعة كبيرة لنجاحاتها المتكررة في التنبؤ الدقيق بنتائج الانتخابات الأمريكية لخمس مرات متتالية منذ العام 1916، لكنها في انتخابات 1936 – في واحد من أكبر استطلاعات الرأي حجما وأكثرها تكلفة – ارتكبت خطأ فادحا يتعلق باختيار العينة أدى، ليس فقط إلى الفشل في التكهن بنتائج الانتخابات تلك السنة، بل إلى توقف المجلة نهائيا عن الصدور بعد عامين فقط من هذا الخطأ التاريخي. كانت توقعات المجلة- بناء على إجابات أكثر من مليوني مستجوب- تشير إلى فوز الجمهوري ألفرد لاندن بنسبة 57%، مقابل 43% لروزفلت. في نفس السنة كان جورج غالوب الذي لم يكن معروفا وقتها يعمل على تطوير منهج مختلف سيكون هو المعتمد لاحقا، و باستخدام عينة (50 ألف) أصغر بكثيرمن تلك التي استخدمتها مجلة “ليتراري دايجست” استطاع أن يتنبأ بفوز روزفلت، بل إنه تنبأ بالخطإ الذي سيتوصل له استطلاع مجلة “ليتراري دايجست” باستخدام مجموعة صغيرة من نفس العينة التي اعتمدتها المجلة.

يتمثل الخطأ الذي وقعت فيه مجلة “ليتراري دايجست” في التحيز في طريقة اختيار العينة، حيث قامت باختيار الأشخاص المستجوبين من بين قوائم المشتركين في المجلات، و أدلة الهاتف، و المشتركين في نوادي السيارات و النوادي الرياضية. هذه العينة لم تكن تمثل المجتمع الأمريكي وقتها، حيث إن امتلاك هاتف وسيارة و الانضام للنوادي، لم يكن متاحا لغالبية الأمريكيين في تلك الفترة بالذات (الكساد الكبير)، و بالتالي أفرزت هذه العينة فقط آراء الطبقتين المتوسطة و الغنية المترتبطتين بالجمهوريين ، فيما استبعدت وجهات نظر الطبقات محدودة الدخل التي اعتادت التصويت للديمقراطيين في تلك الفترة.

لعل هذا المثال الكلاسكي من أمريكا، ليس أفضل توطئة للحديث عن الانتخابات و استطلاع الرأي في موريتانيا، حيث تتباين السياقات و تختلف الظروف، لكنه في الواقع ما زال مثالا راهنيا وذا صلة، فرغم (بل ربما بسبب) تطور مناهج استطلاع الرأي ما زالت نفس المشاكل المنهجية و الإجرائية المتعلقة باختيار العينة و نسب الاستجابة تلح على منظمي استطلاعات الرأي حول العالم.

في موريتانيا، لا توجد مراكز متخصصة في إجراء استطلاعات الرأي، أو على الأقل ما يتعلق منها بقياس اتجاهات الناخبين، لأسباب وجيهة؛ فتجربة الموريتانيين مع الانتخابات لا تجاوز العقدين ، وأغلبها انتخابات محسومة النتيجة مسبقا، إذ يمكن اعتبار الاستحقاقات الرئاسية المقبلة ثاني أو ثالث انتخابات رئاسية تنافسية تشهدها البلاد، وقد قامت وكالة الأخبار – إحدى أكثر المواقع الإخبارية زيارة وأكثرها مهنية – مؤخرا بالشروع في استطلاع رأي على موقعها الإلكتروني لمعرفة توجهات الناخبين في الرئاسيات المقبلة. كما شرع موقع بلوارميديا، وهو أيضا من أكثر المواقع زيارة خصوصا صفحته على الفيسبوك التي يزيد معجبوها على 122 ألف متابع، بعمل استفتاء مماثل.

نحاول فيما يلي الوقوف مع هذين الاستطلاعين ونتائجهما المؤقتين، مستعرضين بعض المشاكل المنهجية و الإجرائية التي تعترض استطلاعات الإنترنت بشكل عام، و اللتي وقع في بعضها الموقعان، و مقدمين اقتراحات نرى أنها قد تساهم في تطوير استطلاعات الرأي المستقبلية في البلد.

استطلاع الأخبار و بلوارميديا

تعطي صفحة استطلاع الأخبار التي يوجد رابطها على الموقع خيارين للمشاركة: خيار المسجلين على اللائحة الوطنية و خيار غير المسجلين. عند الضغط على خيار الموجودين على اللائحة الوطنية يطلب من المشارك إدخال رقمه الوطني ومن ثم تظهر صفحة مصممة على شكل بطاقة الاقتراع، و عند التصويت على أحد المرشحين أو حيادي تظهر صفحة بها رسالة تؤكد المشاركة في الاستفتاء وتظهر بها معلومات الناخب: البلدية و مكتب التصويت و الرقم على اللائحة الوطنية. شارك في الاستفتاء حتى الآن (7 يونيو) 10867 و نتائجه كالتالي: سيد محمد ولد ببكر 51.65%، محمد الشيخ محمد أحمد الغزواني 35.53%، برام الداه اعبيد 5.70%، محمد ولد مولود 5.66%، محمد الأمين الوافي 0.80%، كان حاميدو بابا 0.34%، محايد 0.32%
أما خيار غير المسجلين على اللائحة الوطنية فيطلب أولا من المشارك المعلومات المتعلقة بالناخب، بما فيها المدينة و البلدية و مكتب التصويت، و عند إدراجها تظهر صفحة الاستفتاء كما في الخيار الأول. شاركت في هذا الاستطلاع عينة قليلة (611) و كانت نتائجه كالتالي: سيد محمد ولد ببكر 44.35%، محمد الشيخ محمد أحمد الغزواني 31.75%، محمد ولد مولود 13.58%، كان حاميدو بابا 5.40%، برام الداه اعبيد 1.96%، محمد الأمين الوافي 0.65%، محايد 2.29% . وكما هو الحال بالنسبة لخيار اللائحة الوطنية، توجد جميع الأسئلة و المعلومات المطلوبة باللغتين الفرنسية و العربية.

بالنسبة لاستطلاع موقع بلوار ميديا، يمكن الوصول إليه عن طريق صفحة الموقع على الفيسبوك أو عن طريق زيارة الموقع، يتوفر الاستفتاء باللغة العربية فقط و يضم سؤالا واحدا (لمن ستصوت في رئاسيات 2019؟)، و لا تتوفر الاحتمالات الموجودة على خيار حيادي. عند التصويت على أحد المرشحين تظهر النتيجة المؤقتة للاستفتاء، و هي كما يلي: كان حاميدو 31%، سيد محمد ولد ببكر 25%، محمد ولد غزواني 14%، محمد ولد مولود 13% بيرام ولد اعبيد 10%، و محمد الأمين الوافي 7%.

تحديات الاستطلاعات عن طريق الإنترنت في موريتانيا

لا بد أولا من الإشارة إلى أن هناك عدم ثقة متنامية في استطلاعات الرأي بشكل عام، ويعود السبب في ذلك إلى أمور عديدة أحدثها الإخفاقات المتزايدة لمنظمي الاستطلاعات في وضع توقعات صائبة لأغلب الانتخابات المهمة في السنوات الأخيرة (فوز ترامب، انتخابات بريطانيا 2015، استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو “بريكزيت”…). تعود هذه الصعوبات التي تواجهها مراكز استطلاع الرأي في أوروبا و أمريكا إلى التحول الاجتماعي و الاقتصادي و ما واكبه من تطور في وسائل التواصل و الانتقال من التلغراف و الهاتف الأرضي إلى الموبايل، إلى الإيميل و الإنترنت، وما جره هذا من مشاكل منهجية لما يتم التغلب عليها بعد.

وإذا كان كثيرون قد تحولوا إلى الاستطلاعات عن طريق الإنترنت لسرعتها و سهولتها و انخفاض تكلفتها مقارنة بالوسائل التقليدية، وكونها تضمن نوعا من الخصوصية قد يجنب مشاكل تتعلق بظاهرتي تأثير برادلي (Bradley Effect) في أمريكا و عامل المحافظ الخجول (Shy Tory Factor) في بريطانيا (حيث يتلكأ و يخجل المستطلع من التعبير عن توجهاته الانتخابة المحافظة)، فإن هذه أيضا تواجه تحديات منهجية تتعلق بتحيز الاستجابة و تحيز عدم الاستجابة، إضافة لعدد كبير من المشاكل المنهجية الأخرى.
وإذا كانت هذه المشاكل تطرح نفسها على منظمي الاستطلاعات في الغرب، حيث تعتبر صناعة استطلاع الرأي عريقة وضخمة، فليس من المستغرب أن تكون أكثر تفاقما وإلحاحا في بلد كموريتانيا. ولعل أكثر الإشكالات علاقة بالسياق الموريتاني هو ما يتصل بمفهوم الرأي العام نفسه الذي ولد في سياق يعطي للفرد ورأيه أهمية ليست هي نفسها الأهمية التي يحتلها الفرد في مجتمع – كالمجتمع الموريتاني- مبني على القبيلة و العشيرة و المجموعة الإثنية، ولكن، على أي حال، هذا إشكال نظري عام يتشاركه المجتمع الموريتاني مع نظرائه من المجتمعات الإفريقية و العربية، و إن بدرجات متفاوتة.

ما يجب الانتباه إليه عند التفكير في إجراء استطلاع عن طريق الإنترنت في موريتانيا هو أن نسبة قليلة جدا من الموريتانيين تستخدم الإنترنت، و ما زالت نسبة تواجد الموريتانيين على وسائل التواصل الاجتماعي، رغم تزايدها في السنوات الأخيرة، من أقل النسب مقارنة بالدول العربية الأخرى و دول الجوار. فأي استطلاع لآراء الموريتانيين يعتمد فقط على الانترنت يمكن أن يشكل تحيزا استعيانيا شبيها بالمثال المذكور في المقدمة، فمستخدمو الانترنت في موريتانيا هم، في الغالب، من الطبقة الوسطى أو الغنية. وإذا ما أضفنا إلى ذلك أن هناك تمايزات داخل هذه العينة نفسها تجعل قطاعات عريضة منها تستخدم الإنترنت بطريقة تحد من احتمالية أن تشارك في هذا الاستطلاع، إما لعزوف عن الفيسبوك أو لعائق اللغة، أو لعدم زيارة المواقع الإخبارية أو لاتخاذ موقف من إحدى هذه المنصات بالتحديد، فسنجدنا أمام صنف آخر من التحيز تحيز عدم الاستجابة الذي لا يكاد يسلم منه استطللاع للرأي يعتمد على الإنترنت.

بنظرة سريعة على استطلاعي الأخبار وبلوار ميديا– وبخاصة هذا الأخير – تظهر بوضوح آثار هذه العوائق المصاحبة لإجراء الاستطلاعات على الإنترنت. فمن المفترض أن يعبر استطلاع بلوار ميديا عن توجهات متابعي الموقع الذي يركز على عرض المحتوى التلفزيوني الموريتاني العربي سعيا لربط الجاليات في الخارج بالنقاشات الجارية في الوطن و تداعيات المستجدات السياسية و الثقافية والفنية. هذا الجمهور المتجانس ثقافيا و لغويا عبرت غالبيته في استطلاع مكتوب باللغة العربية فقط، عن نيتها التصويت للمرشح كان حاميدو بابا في الانتخابات المقبلة، من الواضح أن هذه العينة رغم أنها كبيرة (16600) ليست تمثيلية، وإنما تعبر عن حجم الخلل الذي يصاحب استطلاعات الرأي على الإنترنت، إذ يسهل التلاعب بها.

وقد وقع استطلاع الأخبار – رغم أنه أقرب للعلمية و أكثر دقة بكثير من استطلاع موقع بلوار ميديا – في مشكلة تتعلق أساسا باختيار العينة. لا نعني هنا النقطة السالفة الذكر (استخدام الإنترنت) بل يتعلق الأمر بكون الاستطلاع يطلب معلومات شخصية مثل الرقم الوطني الذي بمجرد إدراجه تصبح معلومات الناخب الشخصية متوفرة بيد منظمي الاستطلاع. الذين لا يتلكؤون في مشاركة كل هذه المعلومات الشخصية هم على الأرجح ناشطون في الحملات الدعائية للمرشحين، وهذا ما يعرف بالتحيز في الاختيار الذاتي، حيث يكون الاستطلاع مفتوحا للجميع بما في ذلك المشاركون الذي لديهم مصلحة في المشاركة في الاستطلاع.

مقترحات

للحصول على نتائج أقرب للدقة، ينبغي على منظمي استطلاعات الرأي في موريتانيا احترام الشروط و القواعد المنهجية المتعارف عليها، فاستطلاعات الرأي علم له قواعده ومناهجه، وليس فقط مجرد أسئلة في فراغ. من هذا المنطلق على وسائل الإعلام التعاون مع مختصين في الإحصاء و العلوم السياسية، ليتولوا العملية برمتها ابتداء من جمع البيانات و معالجتها و تحليلها، من تحديد للعينة التمثيلية واحتساب هامش الخطأ ومستوى الثقة و تصميم الأسئلة المناسبة …. ولكن الأهم من ذلك – خلال كل هذه المراحل – هو استخدام الأساليب التي تأخذ بعين الاعتبار خصوصية مجتمع الدراسة الموريتاني. وفيما يلي بعض هذه المقترحات:

لأسباب تتعلق بعدم تجانس المجتمع الموريتاني، لا بد من اختيار عينة عنقودية تضمن تمثيلا لكافة المناطق و الجهات و الفئات. وليس من الضروري أن تكون العينة كبيرة الحجم، فالمهم بالدرجة الأولى أن تكون ممثلة لمجتمع الدراسة. في دول ذات تعداد سكاني كبير (مثل الولايات المتحدة الأمريكية) يستخدم منظمو الاستطلاعات عينة تزيد قليلا على الألف.

أعتقد أن أفضل طريقة لتجميع البيانات هي عن طريق المقابلات الشخصية أو الاتصالات الهاتفية، ليس فقط لكون نسبة قليلة من الموريتانيين تستخدم الإنترنت، ولكن لكون الثقافة المحلية متصالحة مع الثرثرة على الهاتف و الاتصالات الهاتفية الطويلة، و بالتالي، لن يجد منظمو الاستطلاعات صعوبات كبيرة متعلقة بعدم الاستجابة. سيتحتم عليهم فقط إيجاد طريقة لتصنيف مستخدمي الهاتف المحمول حسب المناطق، و ذلك لغياب رمز محدد للمنطقة في موريتانيا

من الضروري أن يتم إجراء المقابلات (الشخصية أو الهاتفية) عن طريق أشخاص مدربين على طرح الأسئلة، و يعني هذا بطبيعة الحال أن يكون الفريق قادرا على التواصل بجميع اللغات الوطنية. فالاعتماد على لغة واحدة سيعكس جانبا واحدا من الصورة.

عندما نقيس الرأي العام الوطني خصوصا ما يتعلق باتجاهات الرأي الانتخابية، فإن الهدف ليس فقط معرفة من سيفوز أو النسبة التي من المحتمل أن يحصل عليها. الأهم من ذلك هو معرفة محددات السلوك الانتخابي، و العوامل التي تدفع الناخبين لاختيار مرشح معين؛ ما مدى أهمية القبيلة، و الجهة، و المجموعة الإثنية؟ هل هناك قضايا أخرى؟ ما مدى أهميتها بالنسبة للناخب؟ لذلك من المهم إدراج أسئلة مصممة بطريقة مهنية من أجل فهم العملية برمتها.

عند جمع وتحليل البيانات أعتقد أنه من الضروري الانتباه للمناطق التي ينحدر منها المرشحون أو تتركز فيها نسب متعبرة من قبائلهم أو إثنياتهم، وتحييد هذا المتغير الدخيل أو على الأقل أخذه بعين الاعتبار عند تحليل البيانات المجمعة.

من الأحسن حجب نتائج الاستطلاع حتى الانتهاء من جمع البيانات و تحليلها، فمن المحتمل أن يتم اتخاذ الاستطلاع ميدانا من ميادين الحملات الإعلامية لإظهار تفوق مرشح معين، خصوصا في مجتمع افتراضي كالمجتمع الافتراضي الموريتاني الذي يتسم بالترابط و التفاعل والتسيس الزائد و الاستقطاب الحاد.

باب / آدو
أستاذ و باحث
[email protected]

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى