الافتتاحية

الصمت والأخطاء القاتلة/الشيخ نوح

منذ افتتاح الحملات الانتخابية يلاحظ المتتبع عدة أخطاء بل فوضوية غير مسبوقة لدى المترشحين، سواء تعلق ذلك بطريقة تواصلهم مع الناخبين أو ببعض الأخطاء التنظيمية والبروتوكولية، وحتى ذات الصلة بالتناقض بين محتوى الخطاب وبين الرسالة التي يمررها التشكيل العشوائي أحيانا والزبوني في أحايين كثيرة للهيئات و الطواقم الانتخابية للمرشحين.

ولد الغزواني ظهر إلى جانب رئيس كان من المفروض أن لا يتدخل في انتخابات، وأن يظل على نفس المسافة مع جميع الفرقاء السياسيين، على الأقل ظاهريا، غير أن عزيز اختار أن يخوض المعركة الانتخابية إلى جانب غزواني، وبشكل مكشوف وفاضح، وربما يؤدي إلى نتائج عكسية لما فيه من استفزاز وانحياز لا يطاق.

هذا الانحياز يضرب تصريح عزيز بأنه لم يرشح غزواني، وإنما هو من رشح نفسه من جهة (حتى أن زلة لسان عزيز كشفته خلال كلامه؛ عندما قال “رشحنا لكم” ثم تراجع عنها)، ومن جهة ثانية يطيح الانحياز بنظرية من يقولون إن غزواني ليس استمرارا لعزير، ومن جهة ثالثة يكشف كم غزواني هش السخصية، ولا يتمتع بكاريزما القائد، إلى درجة أن عزيز لا يثق في أن بإمكانه أن يقنع الناخبين، ويفتتح حملة ناجحة لوحده، مما جعل عزيز نفسه يفتتح الحملة معه لعدم ثقته في إمكانات الرجل السياسية والخطابية.

هذا الأمر بدا واضحا لدرجة أن غالبية الفيديوهات التي يتم تداولها من حفل الافتتاح هي فيديوهات عزيز وتصريحاته بأنه “ليس من المعقول أن يكون هناك شوط ثان”، بينما لم يتم تداول كلام ولد الغزواني على نطاق واسع ولا فيديوهاته، باستثناء الفيديو الذي يبحث فيه عن قنينة ماء تحت رجليه ليجد أنها لدى السيدة الأولى، والتي أعطته نفس القنينة التي شربت هي منها، ليشرب منها ثم يمسح فمه بكم دراعته، وكأن المناديل الورقية انقرضت من العاصمة نواكشوط فجأة.. وسبق وأن أشرت إلى الفشل الذريع للرجل في إيصال أية رسالة ناجحة من خلال لغة الجسد أو من خلال حضوره المسرحي، وأ من خلال تصرفاته التي تفتقد للأتيكيت واللباقة!..

والأدهى من كل ذلك هو أن المعارضة لم تعط افتتاح عزيز لحملة غزواني ما يستحق من نقد.

كما أن من يقدم نفسه مرشحا للإجماع الوطني لم يجسد ذلك في طواقم حملته المؤلفة من نفس الأشخاص الذين عرفناهم ومن نفس التوجهات ومن اللون الصافي، ومن نفس الطبقات الاجتماعية المهيمنة.. فأين الإجماع؟.

سيدي محمد ولد بوبكر هو الآخر لم يسلم من أخطاء وتخبط، بدأ بمقر افتتاح حملته والذي غيره أكثر من مرة، وكان أداء حملته الإعلامية وطواقم التنظيم ضعيفا، غير أن الطامة الكبرى هي تعيينه للمشعوذ والتكفيري حتى العظم يحظيه ولد داهي، فهذا التعيين في طاقم حملته لا يضرب فقط مصداقية المرشح بخصوص مشروع الدولة المدنية ودولة القانون، وإنما أيضا يكشف عن غياب حس سياسي وأمني لدى من يقودون هذه الحملة، فالرجل تحوم حوله اتهامات قوية بصلته بالمخابرات، كما أنه لا يقدم خطابا سياسيا ذا بال، فكيف يتم تعيينه وهو من قال على صفحته على الفيس بوك إن معه 50000 صوت، نصفها من الجن؟..

بدا بيرام ولد الداه ولد اعبيد في نسخته السياسية أقل حدة، وأكثر بحثا عن رضى الناخبين من الأوساط اليمينة والتقليدية، من حرصه على الانسجام مع خطابه الحقوقي المعهود بإحراق كل سفن العودة، والمعروف بطريقته المباشرة في تسمية الأشياء بعيدا عن االمجازات والمواربة.

لقد قدم نفسه كسياسي وهو يفكر في النتائج أكثر مما يفكر في المبادئ. من الواضح أن بيرام السياسي أفقد بيرام الحقوقي الكثير من تميزه وسطوعه، وإن ظل في الصميم يحاول الاحتفاظ بخط للعودة إلى النضال الحقوقي، فلم يحرق جميع مراكب العودة كما تعود أن يفعل في جبته الحقوقية. يبدو أن الرجل يدرك أنه حقوقي جيد، ولذا لم يضح بهذا الجانب تماما لصالح الجانب السياسي، محاولا المشي على الحبل المشدود في المنطقة شبه الرمادية، وأغلب الظن أنه سيخسر أحدهما بدون شك، إن لم يخسرهما معا.

ربما لم يقع ولد مولود في ذات الأخطاء، ولكنه لم يغامر بشكل أكبر كأطول مرشح من بين الستة تجربة سياسية، وكانت حملته الإعلامية باهتة جدا، حتى بالكاد يسمع لها هسيس، وربما بسبب تهميش القوى الشبابية والتي لها قدرة هائلة على التعامل مع وسائل الاتصال الجديدة وعلى الحشد، وقيادة المعارك الإعلامية والألكترونية، يضاف إلى ذلك الجو غير الجيد الذي خلقه ووضع نفسه فيه خاصة خلال الأشهر الأخيرة، وحتى خلال التحضيرات للحملة الانتخابية، كان يمكن لولد مولود أن يكون المرشح الراديكالي الذي تلتف حوله القوى الشبابية غير المتحزبة، ولكن انحاز إلى مجايليه على حساب الشبيبة، وسيكون لذلك نتائج نعتقدها وخيمة، وهي وخيمة حتى الآن.

أما كان حاميدو بابا، وإن كان من أحسن المرشحين من جهة البرنامج وأكثرهم واقعية، إلا أن خطابه السياسي وزبدة ما يقدمه للناخبين المستهدفين يمكن أن يوصف بالترهل إلى حد ما، لا سيما موقفه الضعيف من الإرث الإنساني، والذي يشكل النواة الصلبة لخطاب السياسيين الزنوج، وكذلك عدم إتقانه للغة البولارية المتحفية أوالأدبية الباذخة والجاذبة، كما كان يتقنها الشاعر جوب مرتدو مثلا، أو الأديب صار إبراهيما، أو حتى بولارية راعي البقر با مامادو آلاسان العتيقة.

الرجل رغم شيبته الأنيقة التي قد تجذب بعض الجميلات وتجعلهن يصوتن له، إلا أنه لم يقدم لغة بولارية أنيقة كالتي اعتدناها لدى السياسيين البولار.

إن بولاريته الممزوجة بفرنسية علمية تجعل عجائز “فوتا” وشبابها وشاباتها في الريف، يرون فيه ذلك الفلاني شبه المنسلخ من ثقافته، والذي جاء بحثا عن السلطة أكثر من حرصه على مصالح المكونة المعروفة بنرجسيتها الثقافية العالية، وبذوقها الراسخ للأدب والكلام المنمق بلغتها الأم.

المرشح الشاب ولد الوافي لم يبد بطاقة الشباب وتوثبه وجنونه، وطموحه اللامعقول لتغيير العالم وقلب كل شيء رأسا على عقب، ولا بحكمة االشيخوخة الماكرة والتي تضرب من تحت الحزام بسكين مغموسة في العسل، وإنما قدم نفسه كزائدة دودية، وكسياسي يحمل خطابا باردا، لا يلهب المشاعر ولا يستفز العقل، بل يقدم موقفا برزخيا باهتا من مشاكل الوطن، ومن حرارات الواقع الذي يحتاج خطابا ربما بدرجة 451 فهرنهايت.

بشكل عام ما زالت الخطابات مجرد كلام إنشائي، فلا حديث جدي عن حجم الفساد في البلد، ولا أرقام جديدة عن حجم الفقر، ولا دراسات حول تدهور التعليم والصحة، ولا شيء يرشح عن أخبار الغاز والثروات الموعودة.. حتى الحملات الانتخابية والمعروفة ببذخها وضجيجها لم يسمع لها ركز هذه المرة وكأنها تدور فقط في الصمت والأخطاء!

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى