شطحات

‎قطار منتصف الليل/ محمد الأمين محمودي

 

‎وركب الرفاق قطار منتصف الليل، ذلك القطار المكتظ المزدحم المقصورات، هنالك رجل ينظر اليهم باشمئزاز لأنهم قادمون من الميادين ومازال العجاج يغطي أجسادهم، يمسح الجعة عن شفته السفلى ويبصق في وجوههم: لماذا أنتم هنا؟

‎هذا مكان للبرجوازيين والحالمين بوصول قمة المال والسلطة و أنتم عرفتم بأنكم الكارهون للمال والمجد والعلو الطبقي. أم أنكم كنتم تكذبون؟

‎تنظر  إليهم الحسناء التي تخدع الجميع بأنها تعرف الإتيكيت وترطن بانكليزية جنسية، في حين أنها بدوية في الصميم، ترمقهم بالنظرة الشزراء بينما مازال الرفاق يبحثون في الوجوه عن وجه لم يتلطخ بالفساد أو الخيانة أو السعي لتدمير هذا البلد..أما رجل الأعمال المفسد فينظر إليهم كمنافسين في مناقصة المناديل الورقية الخاصة بالمرشح.

‎هذا المشهد رأيته البارحة في نومي بعد أن بعث إلي الرفيق سيدي ولد اليسع تسجيلا اخبرني فيه انه وجالو وولد اعلي خملش “وتشوي”وايسلمو وغيرهم من الرفاق أعلنوا دعمهم للمرشح ولد الغزواني، فهمت من الرسالة أنها رسالة ودية وليست تنسيقا، لكنه كان حريصا على إخباري واخبار بقية الرفاق أنهم و إن كانوا عصارة ضمير ومقاومة إلا أنهم تصرفوا كمجموعة مستقلة، شكرته على تقديره لي وطبعا لم يكن الأمر للنقاش فقد حسموا أمرهم ويبدو أنهم التقوا الجنرال.

‎ وكان الحسن لبات قد ركب القطار ضحى.

‎في النهاية لن أزايد على سيدي رفيق دربي ومسامري في المعتقل فالشاب ناضل ببدنه وماله وشرد وحمل السلاح، و روحه على كفه، كفارس من فرسان التغيير، والحقيقة أنه أحد من يوصفون بأنهم هم ضمير ومقاومة، تماما كالمخاطر بحياته دائما من اجل وطنه ولد اعلي خملش، أما تشوي وجالو وايسلمو وغيرهم فرائعون، ظلوا مخلصين لأحلامهم النضالية حتى كتابة هذه الكلمات.

‎لكن لماذا؟

‎لماذا دعم مرشح ندرك جميعنا أنه يتحرك بجهاز تحكم عن بعد وقريبا سيكون عن قرب، لماذا الغزواني وليس عزيز؟ لماذا ندعم الشريك الأول في الحكم لمن وصفتموه  دائما بأنه السوء بعينه!!!!

‎لماذا لم يفكروا بولد مولود أو بيرام!

‎لا أعرف حقا، ولم ولن أفهم؟

‎الاخوة في تواصل ايضا ركبوا قطارا بخاريا قديما لكن لايزاحمهم فيه إلا بعض أقارب الكمسري وسائق القطار وبعض زملائه في المهنة،

‎يدعمون أشهر وزير أول في نظام حاربهم وسجنهم وشردهم وفعل أكثر من ذلك بموريتانيا!

‎الإخوة ناضلوا أيضاً وعرفوا السجون واللجوء وبذلوا الغالي والنفيس وما انبطح منهم على مر التاريخ إلا قلة لأسباب “دوائية” أو جهوية أو قبلية، وهؤلاء يستحيل أن نعمم الحكم على تواصل بسببهم.. عرفنا الإخوة إلى هذه اللحظة مناضلين وشرفاء في نضالهم.

‎فلماذا ايضا؟

‎وماتقديرهم لهذه المسألة التي قد يقول قائل إنها خيانة للتاريخ وللمبادئ.

‎فلماذا لم يدعم مرسي مثلا السيسي بحجة السعي لرفع الأذى عن الملايين وتحرير الإخوان من السجون؟

‎على كل، القياس غير وارد في ظاهر الأمر فالإخوة دعموا رجلا لم تلطخ الدماء يديه ولم يشتهر بنهب المال العام لكنه يكون واردا من حيث أن اطمئنان قلب مرسي بكره السيسي ومعاداته قد يكون عقيدة كافية وعليه فيجب عليه وعلى الاخوان التنازل بإظهار الحب والدعم للرجل المتمكن حتى ينجلي الجهام الكاذب عن سماء ارض الكنانة.. لو استقام الأمر (التنازل)  للإخوة هنا فلماذا لايستقيم لاخوان الاخوة هناك؟! لماذا لم يفعلها مرسي و اخوته؟

‎حقا، أنا مربك وحائر مابين اخوة أعتبرهم أحذق و أعقل و أدرى بالشرع والأخلاق والالتزام ورفاق عرفتهم رجالا أشداء قارعوا فما استكانوا وما طلبوا المال وما سجدوا لحاكم.!!

‎حين تعتقد أن الناس مجانين فانتبه لنفسك فلابك أنك أنت المجنون.

‎سأنتبه لنفسي فأن اسير وحيدا سيكون الشيطان أنيسي وذلك ما لا أريده.

‎لكن يستحيل أن أجلس أو أقف مابين القطارين فالسكتان تلامسان بعضهما فيتطاير الشرر، وفي النهاية لن أطل في المحطة مع قطط الليل و أصوات الهواتف المرعبة.

‎لن أكون بوثوقية حمار المسعدي ولن أكتب دائما لأكتب فقط’ فلست سيزيف، لكنني لن اصوم دهرا لأفطر على جرادة صفراء.

‎الوطن سيكون يوما، وما احلم به سيكون، ولربما يكون نضال هؤلاء من داخل مغارة علي بابا مفيدا فحين يقتل الأربعون فربما يشيد علي بابا في مغارته المظلمة الظالمة وطنا يسع الجميع رفاقا و أخوة و أنا.

‎أما أنتم فالله يوفقكم في هذا المسعى.

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى