حوارات ثقافية

د. أدي ولد آدبّ: الأفق السياسي ما زال ملبدا بالغيوم ذاتها (مقابلة 2/2)

حوار: الشيخ نوح

حوار حول النقد والفن، ومآلات التحولات السياسية في البلد، والموقف من اللحظة الراهنة ومن التاريخئن ثم كيف للبلد أن يخرج من عنق الزجاجة أو من الدوامة التي يدور فيها منذ عقود رغم نجاح بلدان أخرى كانت في النفس الظروف في الدفع بالأمور إلى الأمام.. كل ذلك في هذا الجزء الثاني والأخير من حوارنا مع د. أدي ولد أدبّ.

هل تعتقد بوجود حركة نقدية تستحق هذا الاسم في البلد، وأين هي من الحركة الشعرية إ ن وجدت، وهل هناك أسماء نقدية إن كان الجواب نعم؟

جوابك أيضا في كتاب “تأويل رؤياي”، عبر ثلاث مقالات تمثل مفاصل سؤالك المشروع، فهناك: “تجربة الشعر في موريتانيا: تنتظر النقد”، ص/154، وهناك:” الشعر الموريتاني: جدل التقليد والتجديد”، ص/، 152، وهناك مقال ثالث بعنوان: (حتى نقادنا عالة على “صندوق النقد الدولي”)، ص/،204، ،وخلاصة ذلك أن التجربة الشعرية الموريتانية، ماتزال تترنح بين بين قطبي التقليد والتجديد، دون سعي أغلب الشعراء- باستمرار- لتجديد رصيد التعبئة الذاتية بالطاقة الشعرية المتغيرة- عالميا- بسرعة فلكية، وفي غياب حركة نقدية مواكبة، أحرى رائدة،هذا مع العلم أن النقد العربي على العموم، يفتقر للبصمة الذاتية؛ فإذا كنا  ننعي على جل الشعراء خضوعهم للتجريب التقليدي في التراث والحداثة معا، بدل التجربة الإبداعية في كل منهما، فإن نقادنا لم يكونوا بمنجاة من هذا الارتهان لمنجز الآخر،إذ لم تستطع الذائقة العربية –للأسف- على امتداد أكثر من نصف قرن – أن تبلور رؤية نقدية منبثقة من تربتها وبيئتها الطبيعة ،وإنما ظلت تستورد المناهج النقدية، والموضات الأدبية، من الغرب، وبعد انتهاء صلاحيتها هناك، ودون مراعاة لاستحالة القياس مع وجود الفارق، مما جعلني- في المقال السابق الذكر- أصف  الممارسة النقدية المعاصرة عند العرب، بـ”صندوق النقد الدولي” الذي يدمن كل العرب الاقتراض منه، حتي يظلوا دولا غنية ،وشعوبا فقيرة، سواء على مستوى البنية التحتية “الاقتصاد”، أو البنية الفوقية “الثقافة”..

وبخصوص أسماء النقاد الموريتانيين،فإن أغلب ما يمارسه الموريتانيون اليوم من النقد هو أعمال جامعية، لا يتوخى منها أصحابها – في الغالب – إلا لتخرج ولو بميزة مقبول،ومع الاعتراف لبعضها بالجودة والجدية،إلا أن أصحابها لم يواصلوا الممارسة النقدية الأكاديمية الاحترافية

ولعل المرحوم الدكتور: محمد ولد عبدي، كان أقرب ناقد -لدينا- إلى صفتي احترافية النقد، ومَرْتَنَتِه ،وخصوصا في أطروحته حول: السياق والأنساق في الثقافة الموريتانية “الشعر نموذجا”، حيث حاول هذا الأستاذالعبقري رصد التجربة الشعرية الحديثة في موريتانيا عبر سيرورتها الإبداعية، وتصنيفها ضمن نماذج نظرية مبتكرة قادرة على استيعاب تنوعها وتمايزها، بعدما كان قد دشن ذلك في كتابه ” ما بعد المليون شاعر”، عندما صنف أجيال الشعراء في تيارات،إلا أن دراسته للسياقات والأنساق مثلت ذروة عطائه،إذ ابتكار النماذج النظرية النقدية لا يحسنه من العرب إلانقاد قلائل،كأستاذنا د.محمد مفتاح مثلا،ولا يتأتى إلا بعد قراءة معمقة في النقد عموما،وفي المدونة المدروسة خصوصا، وفي بيئتها بصورة أخص، حيث ينبثق منها النموذج،ويستوعبها في الوقت ذاته.

هل يتحمل الشعراء مسؤولية تاريخية في التصدي للميوعة الاجتماعية والسياسية، أم أن الشاعر ينطلق من ذاته فقط ولا يهتم بالحرائق التي تحيط به ما لم تلامس جغرافيته الخاصة؟

مفهوم الشاعرية، ليس مطابقا لمفهوم الشخصية، فالأول مجرد صفة عرضية لجوهر الثاني، بمعنى أن الشاعر قد يكون نبيل الشخصية، سامي الروح، فيكون جمال الشاعرية فيه نورا على نور، لكنه قد يكون أيضا ساقط الهمة، ضعيف الشخصية، إمَّعة..وسبق لي أن أجبت على سؤال مشابه بأن الشاعر اليوم يكفيه نجاحا أنْ يُغَيِّرَ ما بنفسه، بحيث لا يرْهن موهبته الجميلة في المواقع والمواقف غير الجميلة ولا المشرفة، أما الزمن الذي كان الشاعر فيه يُشَكِّلُ الواقع وفْق سِحْر بيانه، فيرفع ويخفض، ويقود المظاهرات بكلماته، فقد ولى، ربما إلى غير رجعة، نظرا لأن التاريخ الإنساني تتصارع فيه القيم الروحية والقيم المادية، وتتناوبان مواقع السيادة والتبعية جدليا، ففي الفترات التي تكون الغلبة فيها للقيم الروحية تنتصرالكلمة الطيبة الجميلة، وتؤتي أكلها ضعفين، وفي فترة هيمنة القيم المادية، يكون “السيف أصدق أنباء من الكتب”، وتكون الدراهم “هي اللسان لمن أراد فصاحة”، وهذا هو طابع الحقبة الراهنة للأسف.
ومهما يكن، فإن الشعر لا ينبغي أن يركع مستسلما أمام جَبَرُوتِ التّغَوُّل المادي القبيح، بل يجب أن يظل يحاربُ قبْحَ الزمن الرديء بجمال الفن والروح، حيث إن النفوس هي مسرح فاعليته التغيرية، ومن داخل هذه النفوس يأتي التغيير الجذري للواقع.

هناك عدة أعمال لك جاهزة للنشر- حسب علمي- ما طبيعة هذه الأعمال، شعرية أم نقدية، أم فكرية؟

هناك مجموعات شعرية، تنتظم كل منها في حقل تجربة، ذات تناغم نسقي معين، تنتظر فرصتها للخروج لحيز القراء، مثل:

-1- وجوه (يرسم ظلال وجوه العابرين، التي تركت وشما على سطح مرآة الشعر)

-2- صلوات القوافي (يتسور محراب القصائد، المتدلِّهَةِ في معراج المديح النبوي)

-3-خرائط الوجع العربي (يتوشح لون جرحنا النازف من المحيط إلى الخليج)

-4- تأبط أرضا (يخلد جدل الألم والأمل، والفصل والوصل، في حب فلسطين)

-5- كمياء الكلمات (يرصد تفاعلات الحروف عبر الرحيل الأبدي بين الحاء والباء).

-6- سيد الثورات (يرصد مقاومة القبح والوهن، ارتقاء إلى حلم الوطن المنشود)

وفي مجال الدراسات الأدبية هناك بحوث، في الأدب الأندلسي، وأخرى في الأدب الموريتاني، فصيحا، وحسانيا، وثالثة في الأدب العربي عموما.

يتأهب الموريتانيون للانتخابات الرئاسية في 22 يونيو الجاري، كيف ترى الوضع السياسي، وما تقييمك لمسيرة البلد السياسية بعد 59 عاما من الاستقلال؟

زاوية النظر إلى أفق التغيير السياسي في بلدنا، ليست منفرجة بالقدر الكافي للاستشراف المريح، والأفق نفسه ما يزال ملبدا بالغيوم ذاتها، وأنا على مبعدة من هذا المشهد الملتبس، وأدوات صناعة التغيير بعضها متعطل، وبعضها معطّل.

أما عن تقييم مجمل المسيرة السياسية بعد الاستقلال، فقد سبق لي أن كتبت مقالا صغيرا بعنوان: “استقلال الاستقلال”، خلاصته: أنَّ حوالي نصْفَ قرْنٍ ليس عمرا كثيرًا  في قياس بناءِ أسُسِ الدُّول ومُقوماتها، لا سيما أنَّ الانطلاقَ إليه من الصِّفْر صعْبٌ جدا، لكنَّ الحقيقةَ الأخْرَى أنَّ دوْلتنا تمْلك ثرَوَاتٍ غنية، ومتنوعة، تكْفِي لانطلاق صاروخيٍّ في اتجاه المستقبل الأجمل والأمثل، حتى في هذا العُمْر، قياسًا على دول عربية وإفريقية شاركتها الانطلاقَ منَ الصفْر والبَداوة والفقْر، وحققتْ عبْر عُمْرها القصير، تقدُّمًا مُذْهِلاً، فهل نقَفُ وقفةً تأمُّلٍ صادقةً مع ذواتنا، لنعرف مكمن الخلل؟

في الختام: أشكركم أخي ألعزيز، على التكرم بإتاحة فسحة للمحاورة، ضمن موقعكم تقدمي.

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى