نوحيات

الحرب الأهلية/الشيخ نوح

التسريب الثاني للمرشح ولد الغزواني لم يخرج عن الصورة المكرسة والمتداولة لهذا الرجل؛ بوصفه دون جوان ستيني يتلذذ بإغراء الفتيات العشرينيات، ولعل ذلك ما تتنزل فيه السخرية من عباراته التي أطلقها “لن أترك في طريقي أحدا”، هذه العبارة التي تلقفتها المعارضة وفسرتها انطلاقا من هذه الصورة المكرسة، على اعتبارا أن “أحدا” هنا تعني من من النساء.

الموريتانيون عموما – خصوصا الناطقون بالحسانية- مهووسون بتحويل لإشارات والإيحاءات المبنية للمجهول إلى إشارات جنسية، ربما بسبب الكبت ولأن التعبير عن الجنس من التابوهات، وإن كانت الممارسة ليست كذلك.. كل ضمير غائب/ة أو فعل مبني للجمهول يوحي بمعنى جنسي ما، ذلك أن الناس هنا تعودوا على التعبير عن الجنس والأعضاء التناسلية بضمير الغائب: “هو/هي”..

إلا أن ولد الغزواني الذي يريد البعض تقديمه كستيني على أعتاب الشيخوخة، مسكون بممارسة الجنس مع الفتيات، يأبى إلا أن يقدم نفسه كهلا رومانسيا، وعسكريا “متنسوي” من خلال نبرته صوته المثلجة و “وَنْوناته” التي يجتهد قدر الإمكان في جعلها دافئة وجاذبة للإناث المستهدفات، مما يعبر عن تاريخ عاطفي وسجل مغامراتي لدى الرجل، وهذا الجانب ربما يعوض لغة الجسد العشوائية عنده.

غير أن السؤال الذي يطرحه الجميع هو: من يسرب مثل هذه الفوكالات وما مصلحته في ذلك؟.. الإجابة على هذا السؤال لا يمكن إلا أن تكون من خلال المنطق والقرائن وجرد المستفيدين المحتملين من هذا التسريب، ولا بد هنا من أن نتفق على مسلمة، وهي أن السلطة وحدها والمخابرات بالتحديد وحدها هي القادرة على القيام بعمل مثل هذا، إما بالتعاون مع الفتيات أو مع شركات الاتصال، أو من خلال اختراق تطبيقات الهاتف الشخصي للمعني.

هناك أيضا معطى يجب أخذه بعين الاعتبار وهو التوقيت، فالتوقيت الأول للتسريب الأول كان عندما حسم الأمر بشأن ترشح غزواني، وعندما بدت العلاقة إلى حد ما غائمة بينه وبين ولد عبد العزيز الذي أعلن أنه ” ما رشحتو، رشح راسو” ثم عاد ولو على مضض وأعلن دعمه لهذا الترشح. لقد كان التوقيت يعطي انطباعا بأن الأمر يدخل في إطار لي الأذرع بين الجنرال الرومانسي والرئيس الذي يريد أن يقول: “أنا موجود، وقادر على إعطاء صورة سلبية عنك، إذن خذني بعين الاعتبار، ولا تفكر في أنه بالإمكان تجاوزي، فأنا رقم صعب”.

أما التسريب الثاني فكان بعد أن تواردت أنباء حول تذمر محيط ولد الغزواني من الطريقة التي أديرت بها حملته ماليا، ولا سيما حول التدخل الكبير لولد عبد العزيز، ومحاولة استيلائه على المبالغ وإيعازه لمدير الحملة المقرب منه بالتقتير في الإنفاق، فكانت هذه “الغمزة” بمثابة: “يا سيدي المرشح، نحن هنا، وما زلنا وسنظل، وإن عدتم عدنا”، ولولا أن من يقوم بهذه التسريبات فعلا ينتمي إلى نواة السلطة الصلبة، ولولا أن الأمر يدخل في مجال التجاذبات داخل الأغلبية، لكان أعلن عن تحقيق في التسريب منذ الحادثة الأولى، غير أن تكرار هذه التسريبات وفي توقييت محدد يجعلنا نخمن أنها تدخل في إطار توازنات مراكز القوى في الأغلبية والنظام، وأنها مجرد تجليات لحرب أهلية في الأورقة بين الرؤوس الكبيرة والمتنافسة في إطار النظام نفسه.

غير أن هناك أسئلة أخرى تثيرها هذه التسريبات من قبيل: لماذا التسريبات التي يبثها نظام ولد عبد العزيز ضد خصومه الشخصيين تركز دوما على الجانب الشخصي مثلما حدث مع ولد الشافعي و ولد الغزواني؟.

ثم أليست فكرة التسريبات أصلا فكرة غلمانية وطفولية، وتنتمي إلى أسلوب الجماعات الخارجة عن القانون واللصوص والمافيا؟

وهل بعد هذا، سيكون هناك مواطن موريتاني يثق في شركات الاتصال أو في الأمن والمخابرات، التي تعتقد في تفكيرها البدائي أن عملها موجه بالأساس إلى الداخل، كما يظن العسكر أن مهمتهم هي ممارسة السياسة والصراع عليها؟
ثم أين هموم الشعب ومشاكل الفقر والجهل والمرض والبنيى التحيتة من هذه المناكفات الصبيانية التي تعبر عن عقل سياسي عبثي، لا يملك أدنى حس بالمسؤولية؟
إن إشاعة مثل هذه التفاهات، وصرف نظر الرأي العام إليها على حساب القضايا الخطيرة ذات الصلة بالظلم المتجذر والمتواصل لشرائح ومكونات واسعة من الشعب الموريتاني، وقضايا فشل الدولة المزمن في تأسيس مجتمع مساواتي قائم على اساس المواطنة، ليس سوى توفير للمناخ المناسب لتفريخ الحرب الأهلية الحقيقية وليست هذه الحرب المفتعلة بين ديناصورات الحكم وباروناته!

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى