الافتتاحية

هل تسمعني، عزيزي غزواني؟!/ حنفي ولد دهاه

ولد الغزواني رجل غامض كعتمة ليالي جمادى الليلاء، صبورٌ كجمل في صحراء مجدبة، عظيم التحمّل كسكة حديد، كتومٌ كما يكتم الموتى أسرار القبور.. و لهذا لم يتأتَ لنا أن نعرف عنه  إلا أنه يأكل المشوي في الليل و النهار..

الرجل سيتربع على كرسي الرئاسة بعد أقل من أسبوعين، و سيدلف لمغارة لا يبصر فيها القطا مواقع نعله، و يلج في مبهمة نهارها أظلم من ليلها،  و ستفلت منه أعصابه الصُّم في اليوم مليون مرة، قبل أن تنجلي دهشته، و يحيط به “أحمدواهيون” إحاطة سوار بمعصم، فينفثون في روعه أنه مبعوث العناية الإلهية لإنقاذ البشرية، و أنْ قد أتاه الناموس الذي كان يأتي العظام من أمثال جورج واشنطون و تشرشل و شارل ديغول، فينفش ريشه كطاووس سيريلانكي، و تتفتق شخصيته عن أخرى، تملك عصمة نبي و كمال مَلَك.

ستتشكل بطانة السوء من الأقارب و المقربين و الأصهار و الأصدقاء، و سيأخذون بمجامع قلب الرجل و عقله، و سيلوّنون عيونه بألوانهم، فلا يرى غيرها، و يشنفون سمعهم بأهازيجهم و ترانيمهم، فلا يسمع سواها، و سيستحيل الحَمَل الوديع أطلسَ عسّالاً، فتنبت لعيون ورده أسناناً، و لغدائر عذارى حورياته قروناً.

لا يمكن لرئيس أن لا يتأثر بمحيطه.. و لهذا ينبغي أنه يحيط نفسه، بمن يمحضون له النصح، و يخلصون له الولاء، و لكنهم يطلعونه على الحقيقة كاشفة كالشمس رأدَ الضحى، فيقولون له ما يجب أن يسمع لا ما يريد سماعه.

ينبغي للرئيس أن يزرع من حوله الحب و الاحترام، لا أن ينشر في فريقه الخوف و التنافس السلبي الذي يذكي أُوار النمائم و الوشايات، فتخبو روح الفريق و تموت نفس التكامل.

لا يحتاج ولد الغزواني لخدمات أحميده ولد أباه، فالتنصت على المواطنين، و تسجيل مكالماتهم، و نقل ثلب الثالبين و شتم الشاتمين لسمع الرئيس، فيلقى الناس وغِر الصدر عليهم، و يقابلهم متقد الإحنَة ملتهب الدخيلة، لا يساعده في شيء.. فالكريم أصمّ عن الخطَل، أعمى عن الزلل..

على ولد الغزواني أن يمسح طاولة نظام ولد عبد العزيز، و أن ينضحها بأُشْنان. و أن يختار فريقاً ذا كفاءة و مصداقية في إدارة شؤون البلاد، و أن يبتعد أكثر عن الأسماء المُبغضّة من أمثال ولد اجاي و ولد حدمين و ولد عبد الفتاح و ولد محم.. و أن يبتعد عن الإعلاميين المطبلين الذين يتهافتون كالذباب على كل طبق عسل، و يخلقون  العداوات أكثر من الصداقات، و يعيشون على تأجيج صراعات وهمية مع خصوم افتراضيين.

يعرف ولد الغزواني أكثر من غيره أن ولد عبد العزيز ظلم كثيرين، و استخدم هراوة القانون و القضاء للانتقام منهم، فواجبه أن يرفع عن هؤلاء الظلم، و أن يعاملهم بعدالة و إنصاف. فيشعر كل مواطن بمناخ وطني جديد، تبوأ فيه عَرار بكَحل، و تتكافأ فيه الدماء و تتساعى الذمم.

لقد تم انتخاب ولد الغزواني (رغم تحفظي على طريقة انتخابه) ليكون رئيسا للدولة، لا صديقاً لولد عبد العزيز، فمصالح موريتانيا و واجب انتشالها من الجرف الذي تردت فيه خلال حكمه، أولى من مراعاة خواطر صديقه الملاطف.. فحين تتعارض مصلحة البلاد مع واجب الصداقة، و هو تعاوض حتمي، فليشرق النذل ولد عبد العزيز بدم الوتين.!

يعتقد أغلب الموريتانيين، حتى من المحللين السياسيين، المطلعين على خفايا و خبايا المشهد السياسي، أن ولد الغزواني هو صنيعة ولد عبد العزيز و فصّ خاتمه، و يظنون أن عزيزاً سيظل الحاكم الفعلي للبلاد من خلال دمية ماتروشكا، لن تهز له رأسها عرضاً، و من واجب ولد الغزواني إن أراد أن يخلص له حكم البلاد، أن يمحو هذه الفكرة من الأذهان، و إلا فلن يقتنع به حتى زيدان و بنه ولد الشنوفي و محمد الأمين ولد الداده.. و أكبر خطأ سيقع فيه ولد الغزواني هو تعيين محسوبين على عزيز، في حكومته الأولى، و السماح بما يفهم منه ولو من خلف سجف شفاف أن لولد عبد العزيز سلطةً عليه أو سطوةً.. عندها سيولي الناس وجوههم شطر ولد عبد العزيز و يقولون “إنه الرئيس الفعلي”.. فالأحمدواهيون لا يحبون الظلال و أهرام الورق.. و قد ضاق زمانهم عن الشرب بكاسات صغار.

حين تترسخ في الأذهان فكرة “ظل الرئيس” عن ولد الغزواني، فسيتعذر عليه بعد ذلك إقناع الناس بعكس ذلك.. و سيتاح لولد العزيز أن يلعب الدور الذي لعبه مع سيدي ولد الشيخ عبد الله.

و كل الأمور ستتحدد من البداية، فالسلطة لا تنتزع حين تعطى..

آلووو.. هل تسمعني جيداً عزيزي غزواني.!

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى