نوحيات

اقتراحات عملية على الرئيس غزواني(2)/الشيخ نوح

هناك قطاعات لا يسمح فيها بالفشل مهما كانت الدولة فاشلة على مختلف الأصعدة، ومن أهم هذه القطاعات قطاع التعليم، الذي يعرف فشلا غير مسبق في موريتانيا، وانهيارا بعد التراجع المضطرد خلال العقود الثلاثة الأخيرة، بسبب ما عرفه من تخبط في السياسات التربوية العشوائية وغير المدروسة والمرتجلة.

إن اهتزاز صورة المدرس والمتعلم والمثقف تصب في اتجاه الفشل التربوي، في مجتمع تغيرت قيمه بشكل فجائي وراديكالي، من مجتمع يمتلك منظومة قيم ذات رأس مال رمزي، إلى مجتمع سقط ضحية لسياسات اقتصادية مرتجلة، جاءت لتعلي من شأن رأس المال الاقتصادي، وتضرب كل القيم ذات البعد الرمزي، حيث أصبحت القيمة هي النجاح في جمع الثروة مهما كانت السبل، وليست الثروة سيئة في حد ذاتها كما هو الأمر في كل تاريخ البشرية وفي كل البلدان، ولكن السيء هو عدم تخليق سبل الوصول إلى المال، والدوس على كل القوانين والمبادئ والمواثيق الأخلاقية في الطريق إلى الاستثراء.


سياسة التعريب الفجائي، وغير المعد له أصلا، أنتجت مجموعة من الأجيال غير المتناغمة، خصوصا في ظل ضعف التكوين الذي تلقاه من يدرّسون ويدرسون بالعربية بعد الاعتماد فقط على الكفاءات الوطنية النادرة، وكذلك في ظل تسييس قطاع التعليم، وجعله موضوعا للتجاذبات السياسية والصراعات الأيديولوجية والمستندة على الغوغائية والمغالطة، وعلى ثنائية ال”نحن” وال”هم” في مجتمع واحد يجب أن تكون “النحن” فيه جامعة ولا تفضي إلى تشظي الذات الوطنية وتخندقها في أطر لغوية أضيق.


تم اعتماد سياسات متذبذبة من الفرنسة إلى التعريب إلى ازدواجية اللغة، ثم إلى التعريب وجعل الإنجليزية لغة ثالثة، وكل ذلك في حيز زمني ضئيل جدا لا يتعدى 25 سنة، وهو ما أدى إلى فشل كل هذه الخيارات المرتجلة.
هذا الأمر انعكس على مخرجات التعليم، وكذلك خلق أجيالا لا تتكلم بنفس اللغة ولا نفس المصطلحات، وليس لديها نفس المنطلقات الثقافية، وهو ما خلق عدم تناغم، وغيابا للحوار بين أجيال مختلفة، تنظر غلى بعضها بريبة وربما بعين تخوينية.

من أجل النهوض بقطاع التعليم فإنه لا بد من تنظيم أيام تشاورية حوله، وإعداد خطة عشرية من طرف أهل الاختصاص، واعتماد سياسة تربوية ثابتة بغض النظر عن اللغة التي سوف تكون لها الأولوية، لأن جعل مسألة اللغة الشجرة التي تحجب الغابة، وحصر الحوار في هذه الجزئية والقفز إليها مباشرة عند كل حوار حول التعليم، مع الاحتفاظ بنتائج مسبقة أصلا تصب في صالح هذه اللغة أو تلك، لا يشي بجدية ولا إرادة سياسية حقيقية من أجل النهوض بهذا القطاع.. فأبعدوا التربية عن المواضيع السياسية القابلة للتجاذب والمناورة.
لا بد من تنفيذ القانون المتعلق بإجبارية التعليم وتطبيقه بحذافيره وبحزم، من أجل تعميم المدرسة على جميع شرائح المجتمع، واعتماد جوائز لأحسن الطواقم التربوية والتعليمية، وكذلك للتلاميذ في مختلف المراحل، وتشجيع تعليم البنات بإجراءات خصوصية وموجهة إليهن تحفزهن على التنافس الإيجابي فيما بينهن من جهة، ومن جهة أخرى فيما بينهن وبين الذكور، كما يجب تعميم الكتاب المدرسي وتوفير الكم الكافي منه، وتجريم بيعه، وتوفير ما يكفي من المعدات والوسائل اللوجستيكية لإدرات التعليم الجهوية وللمفتشين، ومضاعفة ميزانيات هذه الإدارات بحيث تتمكن من الرقابة الدائمة والمستمرة للعملية التربوية، وعلى الوزارة أن تراقب بدورها وتبعث ببعثات مفاجئة إلى الداخل لتفتيش المدارس والإدارات الجهوية للاطلاع على الواقع الحقيقي دون تدليس، وذلك من خلال إشراك أهالي الطلاب وآباء التلاميذ في رصد النواقص، وإحصاء المخالفات وجوانب التقصير.
يجب تصفية حقل التعليم من آلاف الموظفين الأشباح والذين تكتظ الوزارة بأسمائهم، دون أن يكون لهم حضور بأرض الواقع، بل هناك المئات منهم يوجدون خارج البلاد، بينما يستفيدون من رواتبهم وعلاواتهم منذ سنوات، واستبدالهم باكتتاب طواقم جديدة بالعدد الكافي من عشرات آلاف حملة الشهادة العاطلين عن العمل، وتكوينهم تكوينا مكثفا وحقيقيا، والقيام بالتكوين المستمر لمن هم في الميدان.
لا بد من تحسين الظروف السيئة والبائسة للمعلمين والأساتذة، ومنحهم القطع الأرضية، أو دعم هذا الجانب من طرف السلطات، وتشجيع المستميتين منهم في عملهم ومعاقبة المقصرين، وكذلك عصرنة الإدارة وتكوين القائمين عليها على التعامل مع التكنولوجيا ومخرجاتها. ورقمنة الأرشيف والملفات، والقضاء على ظاهرة بيع التحويلات السائدة.

إن الفشل في التعليم أو النجاح فيه هو ما سيحدد مستقبل البلد، ومستقبل قادته وأجياله على المدى المتوسط والبعيد، وإذا كان الرئيس الجديد ولد الغزواني جديا فليباشر عملية تحديثه وإصلاحه، سواء من جهة التكوين والتأطير للقائمين عليه، أو من جهة تحسين الظروف الاقتصادية لهم، أو من ناحية تحسين المحتوى وتحديثه ليتلاءم مع ما وصل إليه العالم في المجال، لكي تكون مخرجاته مفيدة ويمكن للسوق استيعابها، وتصبح جزء من معطيات التنمية في البلد.

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى