الافتتاحية

قرار مجاني.. صلاة الاستسقاء/الشيخ نوح

عادة تكون القرارات الأولى للحكومات المنتخبة جديدا قرارات استثنائية ومفاجئة ومثيرة للكثير من الجدل واللغط، استحسانا أو استهجانا، وذلك من أجل لفت الانتباه، وتمرير رسالة مفادها أنكم على أعتاب عهد جديد، وقرارات مختلفة وعقلية متميزة، عما عهدتموه في الماضي من قرارات وإجراءات.

يبدو أن الحكومة الجديدة أرادت تطبيق هذه القاعدة الذهبية، فقامت بإصدار تعميم أصدرته وزارة الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي، كأول قرار تتخذه وتعممه، وهو أن تقيم كل المساجد اليوم الجمعة صلاة الاستسقاء، في سابقة لم نسمع بها في التاريخ المعاصر، أو في عهد الدولة المدنية على الأقل، فهل يا ترى هذا هو ما تفتقت عنه عبقرية الوزير من قرارات؟

وهل هذا ما كان يعنيه الرئيس ولد الغزواني حين قال إن على كل وزير أن يصمم خطة لوزارته، وأن يكون ذلك على ضوء برنامجه الانتخابي المعلن؟
وهل دور الحكومة هو أن تستمطر الغيمات بصلاة استسقاء، أم أن دورها أن تتعامل مع الظروف الطارئة التي تنجر عن تأخر المطر، وزحف الجفاف، باتخاذ إجراءات عملية وتبني خطة استعجالية تستجيب للتحديات؟..

وهل دور الحكومة بكل بساطة، هو أن تسيّر ما لا تسيطر عليه، أم أن دورها أن تسير الموارد الاقتصادية التي تحت يدها، وتعمل على جلب الموارد والتمويلات لحل مشاكل المواطنين؟.

لم يستبشر المزارعون و أهل الريف خيرا بإلغاء وزارة الزراعة، ولا  سيما في هذه السنة التي نبه فيها برنامج الغذاء العالمي إلى أن أكثر من نصف مليون موريتاني مهددون بالمجاعة، فكان الرد العملي من طرف السلطات الموريتانية على هذه المخاوف والتنبيهات على شكل تعميم “تاريخي” يطالب الناس بإقامة صلاة الاستسقاء، مما يعني أن السلطات لا تمتلك خطة لمواجهة الجفاف ولا لتوفير العلف للحيوانات، والطعام لأهل الأرياف المهددين بالمجاعة وبهلاك ثرواتهم الحيوانية، وربما بالنزوح والهجرة من مناطقهم الأصلية نزوعا إلى البقاء على قيد الحياة.

إن مثل هذه القرارات التي لا تكلف شيئا غير ورقة وقلم، وما يكفي من عدم الحياء، لا تبشر بأن الحكومة الحالية كما يروج لها هي حكومة تكنوقراط ومتخصصين، وإنما حكومة ارتباكات حتى الآن، وحكومة قرارات ارتجالية غير مكلفة، وغير مدروسة، بل يبدو أنها لا تتطلب أي جهد ذهني، وكأن الوزير في جلسة شاي مع صديق، أثار موضوع الأمطار، فأشار عليه الصديق بكل عفوية وهو مشتجر حول فرن يغلي فوقه إبريق قديم: انت كاع ما تطلب منهم يعدلو صلاة الاستسقاء؟..
هزّ الوزير رأسه متفاجئا بهذه الفكرة العبقرية، والتي ستكون الشرارة الأولى لقرارات الحكومة الجديدة قائلا: افطن حق بعد.. هذا زاد املي ينسجم مع تراثنا ومع عقليات الناس، ظاهرلي اللا انّ لاه نعدلها كاع ونستراحوا. الله يخلي لك عقلك!
مثل هذه القرارات يمكن للمرء أن يخمن الظروف التي تم اتخاذها فيها، ويمكنه أيضا أن يستشف طريقة التفكير، والعقلية التي يغذي تفكير هؤلاء المسؤولون الذي يديرون البلد بالقرارات المجانية، ويفضح الخلفية غير العلمية ولا المنطقية التي يصدرون عنها، وتتحكم في تمثلهم للأشياء وتعاملهم مع الظواهر الطبيعية بالغيبيات.

كنا ننتظر خطة استعجالية لحماية الثروة الحيوانية والفلاحية، ففوجئنا بشطب وزارة كاملة، وإذا بنا أمام ظاهرة فريدة من نوعها، تواجه الأخطار البيئية المحدقة بما لا يتطلب تخطيطا ولا ميزانية من قرارات.

إن قرار تعميم الأمر بإقامة صلاة الاستسقاء، هو هروب إلى الأمام وتفريط في المسؤولية القانونية والأخلاقية والتاريخية من طرف السلطات، لما سينتج من كوارث في ظل غياب أي رؤية قابلة للتطبيق، وفي ظل انعدام أية استراتيجية معقولة وعلمية لمواجهة المخاطر، سوى قرار مجاني يمكن أن تقوم به المساجد والجماعات والقرى دون تدخل من وزارة لم تعمل على إنجاز خطة لمأسسة المحاظر مثلا، وإعادة تحيين محتوياتها، ومحاربة الأفكار المتطرفة، وإشاعة ثقافة السلام والتسامح، ومحاربة الأفكار المكرسة للعبودية وللتمييز.

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى