نوحيات

“باولا” التي أحببتها../الشيخ نوح

قبل أقل من سنة وأنا في أحد مقاهي نواكشوط البئيسة، تعرفت عليها وكانت في ريعان شبابها. كان في عينيها حزن أزرق وترتدي لونين أساسيين، أحدهما بني عسلي، والآخر أسود أبنوسي. تجاور اللونين كان يعطيها مظهر شابة في مقتبل العمر، لم تسرف كثيرا في زينتها؛ فكانت أقرب إلى الفطرة والطبيعة منها إلى الاصطناع والبهرجة، لكن سلوكها بدا لي مدنيا؛ حين اقتربت من طاولتي بصوتها المشرب ببحة ألم حيواني لطيف.

لم أكن على دراية كاملة بلغتها، ولذا اقتصر التواصل بيننا على الإيحاءات والتخمينات، ومع مرور الوقت أصبحت أكثر جرأة في الاقتراب مني واقتسام مائدتي معي، أو على الأصح، الأكل مما أجود به عليها، دون تذمر ولا شكوى، ولا طموح إلى ما هو أهم وأكثر احتراما وإنسانية وربما أيضا “حيوانية”.

نسجت عناكب الوقت شبكتها بيننا، وربطتنا بخيوط غير مرئية، لدرجة أني أصبح يخيل إلي أنها ترابط هناك على مقربة من الطاولة التي اعتدت الجلوس عليها انتظارا لمقدمي، وقد تقلصت المسافة بيننا؛ خاصة حين أكون لوحدي، إذ تعودت على لمسات حنونة حين يكون المزاج جيدا، والمناخ متواتيا لترف التعبير عن الأحاسيس تجاه الآخرين، وهي حالة من الطقسية الوجدانية التي لا يتحكم فيها الزمكان، وإنما تفرض لحظتها.

لهذا السبب كان الحظ من يتحكم في تلك اللحظات السعيدة، والتي صارت تتوقعها من وقت لآخر، ولكنها لا تصاب بالإحباط أبدا إذا لم يسعف الحظ والحال بمتمنياتها، بل كانت تؤمن الغد يحمل ما هو أجمل بالضرورة!

صحيح أني حاولت في خضم في ذلك الاستعاضة عنها بأخريات، منهن جارات وبعضهن التقيتهن في مقاه بئيسة أخرى، أو في أمكنة أرتادها بالصدفة أو عن سابق إصرار، غير أن “باولا” ظلت فريدة من نوعها، وقد طبعت ذاكرتي ووجداني بلونيها الناصعين، رغم كثرة مثيلاتها وبنات جنسها اللواتي لا أقلل هنا من فتنتهن هنا، وإنما أؤكد على طغيان ما أحسسته تجاه باولا من انسجام، لدرجة أنها لو تجسدت موزة مثلا لما ترددت في التهامها. إنه ذلك النوع من المشاعر الممزوجة برغبة غير عقلانية في ابتلاع الطرف الآخر بكل زغبه و فروه..

منذ أيام اختفت باولا تماما، ولم تعد تظهر بفرحها الطفولي، وعينيها البحريتين، تاركة وراءها شيئا من القلق يصلح مادة للكتابة والرسم، غير أنه لم يتجسد أبدا على هذا الشكل، وظل قلقا أتحسسه في الأعماق كلما خلوت إلى نفسي، ومرّرت كف ذكرياتي على الجوانب الفارغة من الوجدان، وعلى الجزر الناتئة من الذاكرة، فتبدو لي باولا بنظرتها الأخيرة، ولغتها التي كانت تريد أن توصل لي بها شيئا أو اعترافا، أو تبوح لي من خلالها بسر، لولا أني أخفقت في تأويل صوتها كما كنت أفعل بالحدس وبالإيحاء، وربما لو عرفت أنها لحظة وداع ما، لكنت أكثر حرصا على أن أعيش وأمطط تلك اللحظات الأخيرة، ولربما كنت أكثر كرما معها، واشتريت لها وجبة ذلك المساء.

صاحب المطعم حين سألته باهتمام:

أين باولا؟، لقد غابت طويلا لعلها بخير!
فكر قليلا، وكأنه لم يعرف هذه الشابة التي أسأل عنها، وفجأة صفع جبهته براحة بيده، ثم أجابني و قد ألصق على شفتيهابتسامة بريئة:

  • آه لعلك تعني القطة، إنها تعيش حالة أمومة منذ أكثر من أسبوع!

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى