تقارير

ماذا أسباب تضاعف “حوانيت” النظارات الطبية في موريتانيا؟

في قلب مدينة نواكشوط وبالتحديد عند ملتقى “بي أم دي”، وعلى الجانب الأيسر من الشارع يلاحظ المرء تكاثر محلات بيع النظارات الطبية، بكل أحجامها وأشكالها، للرجل والنساء، وللبالغين وللأطفال، غير أن الملفت للانتباه والملاحظة وهو هذا التكاثر السريع والانفجار الكبير لسوق بيع النظارات الطبية من جهة، بالتوازي مع انتشار اضمحلال حقل الرؤية في العيون الموريتانية من جهة أخرى.

فما هي الأسباب الكامنة وراء هاتين الظاهرتين المرتبطتين ببعضهما، وما هو التفسير الطبي لانتشار نقص الرؤية، ثم هل من تفسير اقتصادي للإقبال الكبير على الاستثمار في مجال النظارات الطبية؟.

في البدء كانت التسمية..

لا يحسن الموريتانيون غالبا تسمية أسماء المحلات التجارية والمخابز وغيرها، فيصعب أن تكون هناك علاقة منطقية بين الاسم والدلالة التي يعطيها أو ويوحي بها، بل أحيانا قد يكون هناك تناقض صريح في الاسم، وإن كان في بعض الأحيان لا يخلو من طرافة عفوية، لذلك لا يُستغرب أن يجد المرء “مجزرة الشهداء” و”فندق الخيمة” و”غسالة الله غفور رحيم” أو حتى “دكان خاشقجي”، وعلى نفس المنوال إلى حد ما سارت بعض تسميات المحلات التي تبيع النظارات، فهناك “الخيمة للبصاريات” و”المدينة للنظارات”، غير أن لوحة باهتة اللون على الجانب الأيسر من شارع جون كنيدي سابقا “بداه ولد البوصيري” حاليا، تخرق المألوف وتؤكد القاعدة باختلافها؛ من خلال التسمية التي تحيل مباشرة إلى النظر والبصر وهي لوحة زرقاء اليمامة للنظارات.

الضوء الأزرق.. خطر الجسيمات الغريبة

يقول طبيب العيون الشاب أبوبكر جوب إن هناك عدة أسباب لظهور مشاكل الرؤية لدى الموريتانيين، فلدينا معطيات كانت موجودة أصلا، وهي الأسباب الوراثية حيث هناك نقص في الرؤية تتوارثه أجيال العائلة الواحدة،  وهو نقص يمكن التغلب عليه من خلال النظارات الطبية، كما يمكن تثبيته عند مستوى معين، ولكنه لا يمكن الشفاء منه تماما بشكل نهائي، أما الأسباب الأخرى – يقول جوب- فتتعلق أساسا بالإفراط في التحديق في الشاشات القريبة، خاصة شاشات الحاسوب والهواتف النقالة وغيرها من وسائط الاتصال، والتي تتطلب تحديقا وتركيزا مكثفا مما يؤثر سلبا على الألياف البصرية، وهذا النوع يمكن أن يختفي في أغلب الحالات إذا اتبع صاحبه النصائح الطبية، وخفف من استعمال هذه الأجهزة ذات الشاشات التي تشع فيها جسيمات تسمى “الضوء الأزرق”، وهي التي تؤثر على العين، وتحدث نوعا من التشويش على الرؤية يؤدي لاضطرابها.
“ربما ظن الموريتانيون أن مشاكل الرؤية جديدة، ولكن في الحقيقة الأمر ليس كذلك. لكن الجديد هو وعي الناس بها، حيث كان يندر أن يقوم الناس بفحوص لأعينهم أو لأعين أبنائهم لمعرفة وضعية الرؤية، وإن كانت وسائط الاتصال الجديدة قد رفعت من مستوى الإصابات بأمراض العيون” يقول الطبيب جوب، والذي شدد في النهاية على خطورة ولوج هذا المجال من طرف غير المتخصصين، والذين يدخلونه مدفوعين بدوافع مادية وتجارية بحتة، طالبا من السلطات العمومية تقنين المجال والحرص على أن يبقى لأهل الاختصاص حصرا.
وفي سؤال حول علاقة الموضوع بالغذاء قال الطبيب جوب إنه لا يملك أية فكرة عن الموضوع، وليست له معلومات بأن للأمر علاقة بالغذاء.

حيث يكون الربح يكون التجار..

يجلب التجار أطر النظارات والعدسات من الصين، وقد شهد هذا القطاع استثمارا متناميا يفسره (م.س) وهو صاحب محل لبيع النظارات الطبية، بأن الموريتانيين بطبعهم مقلدون وتشحذهم عقلية تجارية طاغية، فكلما ابتكر أحدهم مجالا وكان فيه هامش معين من الربح، تداعوا إليه جميعا حتى يميعوه، ويقول (م.س) إن البطالة كذلك وعدم توفر فرص العمل جعل الشباب يبحثون عن أي عمل لمزاولته، لا سيما أنّ فتح محل لبيع النظارات لا يحتاج مبلغا كبيرا، ولا حتى خبرة، كما أنه يدر أرباحا مريحة كانت في السابق قد تصل إلى 300%، أما الآن فإنها تقريبا عند سقف 100% أو أقل قليلا بسبب تكاثر المحلات.

ويضيف أن هذه الأرباح التي يتحدث عنها هي فقط بالنسبة للتجار الصغار والذين يشترون من دكاكين البيع بالجملة، ويتراوح متوسط الأسعار بين 1500 أوقية جديدة و3500 أوقية جديدة، حسب الإطار والدرجة ونوع العدسات.

هذا وتمر النظارات بمراحل ثلاثة قبل أن تصل إلى الزبون، وهي أولا مرحلة الاستيراد من الخارج والتي يقوم بها تجار لا علاقة لهم بطب العيون، وليس معهم متخصصون لاستشارتهم، وإنما يعتمدون فقط على حدسهم والاسعار المنافسة، وما تطلبه السوق، وخاصة في ظل قوة شرائية ضعيفة، وهو ما أدى إلى انتشار نظارات بعدسات رخيصة، ولكنها ضعيفة الفاعلية.
أما المرحلة الثانية فهي عند صاحب الدكان الذي يشتري الأطر والعدسات بالجملة وهو أيضا غير متخصص في مجال العيون ولم يتلق تكوينا في المجال، ولكنه لا يمكن غالبا ماكينة لتقطيع هذه العدسات حسب الأحجام والأطر المطلوبة مما يجعله يستعين ب”الصناع التقليديين”، وهم الغالبية الساحقة ممن يمتلكون مثل هذه الماكينات، وبعد تسوية وضعية العدسات تعود النظارات المطلوبة إلى صاحب المحل ليستلمها الزبون.
“مع كل ذلك، فيجب أن لا ننسى أن هذه النظارات الطبية التي تباع في موريتانيا والمستوردة من الصين ليست ذات جودة عالية، لأن النظارات ذات الجودة العالية، لا تستورد إلا تحت الطلب، فالقوة الشرائية الضعيفة للمواطنين لا تسمح لمعظم الناس بشراء نظارات طبية ذات جودة عالية، ولهذا يلجأ التجار أحيانا إلى أن يستوردوا أطرا طبعت عليها إحدى الماركات العالمية الشهيرة الإيطالية أو غيرها، ليوهموا الزبون بأن النظارات ذات جودة عالية” يضيف (م.س).

وقد راجت في الآونة الأخيرة قصة ذلك الفقيه الذي يقدم برنامجا دينيا على التلفزيون، ولكنه استثمر في هذا المجال واشترى كمية  من العدسات، غير أنه حين أراد أن يبيع نظارات لأحد الزبناء اكتشف فجأة أن كل العدسات كانت للعين اليسرى فقط.

أسباب وراثية وأخرى متعلقة بسوء استخدام مخرجات التكنولوجيا ووسائل الاتصال تضافرت، لتتسع دائرة الذين يعانون من مشاكل بصرية في مجتمع لا يتمتع بالوعي الصحي الكافي، لتنضاف إلى معاناتهم جشع التجار، ورغبتهم المتقدة في تحقيق أكبر معدل من الأرباح في أقل الوقت، وكل ذلك في ظل مناخ من اللامبالاة وعدم التنظيم وترك الحبل على الغارب للمستثرين من طرف السلطات، ليظل المواطن العادي هو الطرف الأخسر في هذه المتراجحة المعقدة، والتي يتداخل فيها المال والمصالح والسياسات السيئة.

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى