تقارير

الخط اليدوي.. حكاية اندثار فن!(صور)

أمين ولد شيغالي

هم فنانون ولكن لديهم أهداف ربحية أيضا، حيث يرتبط علمهم أساسا بالسوق، وليس بقيمة جمالية في ذاتها.
ظلت مهنتهم تقوم أساسا على موهبة جمال الخط اليدوي، والقدرة على رسم الحروف والكلمات بشكل فني يخرجها في ثوب جديد مختلف عن الخط العادي لغير المتخصصين في المجال.
يجتهدون في إظهار الطابع الشخصي لكل واحد منهم، والبصمة الجمالية في تعرجات الأحرف وانحناءاتها وحتى ألوانها، لدرجة أن لكل خطاط تقريبا أسلوبه الخاص الذي يترجم علاقته بالكلمات وبالحرف.
وقد كان هذا الفن يعتمد أساسا على الموهبة المتلخصة في جمال الخط وقدرة الخطاط على إبراز الكلمات بشكل مختلف وإشباعها بالألوان التعبيرية والإيحائية وكذلك قدرة فرشاته على أن تسحر العين وتجذبها من خلال إضفاء لمسة فنية وجمالية على الخط.

عودة إلى ماضي هذا الفن..

شهد هذا القطاع طفرة كبيرة خاصة بعد تضاعف الوعي بأهمية اللوحات الإشهارية، وكذلك بعد الاهتمام المتصاعد باليافطات التي يحملها من لديهم مطالب معينة في وقفات أو مهرجانات، هذا إضافة إلى أسماء المحلات التجارية والمطاعم والمقاهي وحتى الإدارات الرسمية.
فمن هم الخطاطون، هؤلاء الجنود المجهولون؟
وما هي تحديات هذه المهنة في ظل ما شهدته من تطورات مرتبطة بالتصاميم المعالجة على الهاتف والحاسوب؟
وهل ما زال هناك خطاطون يديون يتنفسون رائحة الألوان والطلاء مباشرة، ويخطون اللوحات والشعارات بأيديهم العارية؟
يقول الخطاط بركة حمود “إن بديات الخط كان يدويا، ولكنه كان يأخذ وقتا طويلا نسبيا، فمثلا ما كان يكلفك ساعتين من العمل والتركيز، أصبح يمكنك أن تقوم به في 5 دقائق في الحاسوب”.
غير أن هذا التطور الحاصل في المجال له أيضا جوانب سلبية، على الخطاطين أنفسهم، حيث أصبحت تنافسهم موسسات كبرى، ذات راس مال يسمح لها بتوظيف أشخاص وإن لم يكونوا ادرين أصلا على الخط بأيديهم، إلا أنهم قادرون على الضغط على زر في الكومبيوتر، والقيام بالمطلوب دون عناء كبير وبكل سهولة.
هذا التحدي جعل دور الخطاطين اليدويين يتراجع، بل جعلهم ينخرطون في الموجة الجديدة للخط، غير أن كل عملهم يعود أيضا بالربح على أصحاب المؤسسات، لأن الخطاطين الصغار لا يملكون أجهة للسحب وإنما يقومون فقط بلتصميم، ثم يضطرون للسحب عند تلك المؤسسات، لا سيما بعد أصبح الجميع يفضلون السحب وليس اليدوي المكتوب على قطع القماش.
تراجع الخط اليدوي التقليدي مع الوقت أدى إلى اندثاره تماما، وأصبح الخطاطون الصغار رهينين للمؤسسات والتي أصبح ما يجنيه هؤلاء معها رمزيا إلى حد.


بداية السقوط..


أما بخصوص المردودية المادية فيقول بركة حمود ” إن المدخول ليس مرتبطا بفترة معينة بقدرما هو مرتبط بالعلاقات، فمثلا من لهم علاقات مع منظمات يحصلون على فرص أكبر، وكذلك من له علاقات بالدوائر الرسمية فإنه يستفيد من “الصفقات” الرسمية المتعلقة بهذا المجال، وليس الأمر متعلقا بالانتخابات ولا أي ظرف، كما أن الدخل ليس ثابتا”

عن مستقبل الخطاطين الصغار ومدى قدرتهم على الصمود والمنافسة أمام المؤسسات الكبيرة، يقول بركة “إن دور الخطاطين الصغار أيضا تراجع بشكل كبير وإنه لا يستبعد في المدى المتوسط أن يختفوا كما اختفى الخط اليدوي، خاصة أن الكمية المحدودة لا تكفي لدخل جيد لأن غالبية الناس والمؤسسات التي تطبع شعاراتها وواجهات محلاتها تقوم بذلك بشكل مباشر عند المؤسسات الكبيرة، وبذلك سوف يختفي مع الزمن الخطاطون الصغار رغم محاولتهم للتأقلم مع الظروف الجديدة، فأنا مثلا كنت خطاطا يدويا وبعد ذلك أصبحت أصمم أعمالي على الجهاز وأقوم ب”الطباعة الضوئية” على الجدار ثم أحاكيها بيدي، وبعد ذلك أصبحت أصمم الأعمال على الحاسوب وأحملها إلى المؤسسات الكبيرة لسحبها، غير أني أعتقد أنني على المدى المتوسط لن أستطيع مواصلة هذا العمل.

صراع اليد والآلة

عن علاقة الخط بالرسم يقول بركة إنهما مجالات إلى حد ما مختلفان، فهناك خطاطون جيدون ولكن ليسوا رسامين جيدين، وكذلك العكس صحيح، وهناك من يتمتعون بالقدرة على الاثنين وهم قلة.
ولطالما كان موضوع صراع الألة واليد العاملة موضوعا مهما، تناوله الأدب والسينما، بل هناك من ذهب إلى أبعد من ذلك، حيث تنبا بأن اختراعات الإنسان وفتوحاته العلمية سوف تكون هي من تتحكم فيه وتؤذيه كما هو الحال في إحدى أولى الروايات التيكتبت في هذا المجال “فرانكشتاين”، إلا أن هذه الانعكاسات السلبية للآلة على الإنسان وإن كانت لم تصل بعد إلى مستوى التحكم الكلي في مصير الإنسان، غير أنها جعلت حياة الكثيرين تتغير شيئا فشيئا، سلبا أو إيجابا.
هكذا أدت هذه التحولات الإلكترونية والتكنولوجية إلى تسهيل العمل نفسه وتسريعه، ولكنها أدت أيضا إلى إلقاء العشرات من الشباب في البطالة، وقضت على تجليات فنية، لصالح الطباعة الميكانيكية المتشابهة، وألغت البعد الإبداعي في فن الخط والذي لا يقل أهمية عن سواه من الفنون والتي أصبحت الآلة فيها تغني عما يسميه بعضهم هامش “الخطأ البشري الجميل”.

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى