نوحيات

“راوية الأفلام”.. رواية المصائر الشقية/الشيخ نوح

رواية قصيرة لكن المعاني الإنسانية المكثفة تتصاعد من صفحاتها، هي من ذلك النوع الذي تستهين به في البداية؛ سواء من جهة اللغة البسيطة والمبتعدة كل البعد عن الصنعة، أو حتى من خلال الثيمة، والتي تبدو غير ملفتة للانتباه وغير شائعة، وإن كان ذلك ما يجعل منها ثيمة مبتكرة بقوة، فتصوروا فتاة في منطقة صناعية ريفية جافة، تحيط بها أكداس الملح والبارود تتحول في هذا المناخ الحجري إلى راوية أفلام..!

التشيلي إيرنان ريبيرا لتلير هو أحد الأسماء التي حفرت لنفسها مكانة في الأدب المعاصر، واستطاعت أن تبشر القراء بكاتب وروائي جدير بحمل راية أدب أمريكا اللاتينيية وريثا لماركيز وبورخس، وبقية القائمة الطويلة ممن شكلوا ما أطلق عليه “الانفجار الروائي في أمريكا اللاتينية”.

الرواية عبارة عن قصة فتاة تنحدر من أسرة فقيرة في الريف التشيلي، ثلاث إخوة وأب معوق، وأم هربت وتركت زوجها بعد أن تعرض لشلل نصفي وأبناءها كذلك.

أسلوب الرواية اللغوي يأخذ من الحياة اليومية مباشرة، ومن التشبيهات اللصيقة بالبيئة التي تجري الأحداث فيها، وهناك شواهد عدة في هذا الاتجاه مثل قول الراوي عن أحد إخوة البطلة وهو شاب صموت لا يتكلم إلا نادرا “إنه بحاجة إلى كلابة لانتزاع الكلمات من فمه”.

تبدأ الرواية بسرد قصة أفراد أسرة البطلة المشغوفين بالسينما، ولكن بما أن ظروفهم المالية لا تسمح لهم بارتياد السينما جميعهم في نفس الوقت، فقد استعاض الأب عن ذلك بطريقة مبتكرة، تقضي بأن يخصص تذكرة الدخول في كل مرة لأحدهم، ثم يعود لحكاية أحداث الفيلم، ومن يتمكن من روايتها بشكل أفضل سوف يكون المعتمد للتوجه إلى السينما كل أسبوع ليعود ويروي للعائلة أحداث ذلك الفيلم.
تفاوت الإخوة الأربعة في قدراتهم على رواية أحداث هذا الفيلم أو ذاك، ولكن عندما  وصل  الدور إلى البنت، فإنها كانت استثنائية غير أن الأب لجأ إلى التصويت على من سيمثل العائلة وكان هناك مرشحان؛ هي وأخوها.
في الجولة الأولى تساويا في عدد الأصوات غير أن الأب أخيرا قرر أن تكون البنت ماريا مارغريتا الراوية الرسمية للأفلام في الأسرة.

ذات مرة بعد أن تطورت طريقة روايتها، وأصبح الأب يدعو بعض أصدقائه إلى المنزل من أجل الاستماع إلى رواية الأفلام، تفتقت عبقرية أحدهم عن رأي مهم: — لماذا لا تتقاضون تذكرة على ما تفعله هذه البنت، إنه فن والفن له ثمن يا قوم؟!.
لم يمانع الأدب، ولكنه أجرى تعديلا على الاقتراح، وهذب الفكرة؛ بحيث أن لا يتم تحديد تذكرة معينة، ولكن يتم فتح المجال لمن يريد التبرع، ورغم أن التبرعات كانت ضئيلة مقارنة بسعر تذكرة الدخول إلى السينما، إلا أن الأمر تطور حيث أصبح البعض يستدعي الفتاة إلى منزله لتروي له فيلما هو من يحدده. قادها التجول بين المنازل إلى أول علاقة جنسية وقعت مع ذلك الرجل المرابي والكهل الدميم فارع الطول، الذي استدعاها لتروي له فيلما في بيته، والذي عثر عليه ميتا لاحقا في حادث غامض سر الكثيرين ممن يدينون له بالمال، لأنه بلا وريث.
“راوية الأفلام” رواية جميلة تعبر عن جيل جديد من الكتاب قد لا يهتم بالثيمات الكبرى، ولكنه يأخذ من التفاصيل اليومية للناس، ومن قصصهم التي قد تبدو عادية مادة له، وطينة لتشكيل أعمال تستحق القراءة.
إنها رواية الشقاء والبؤس، حيث يموت الأب على كرسيه المتحرك وليس بصحبته سوى زجاجة نبيذه، بينما يُعثر على الأم بعد سنوات طويلة من الغياب منتحرة بشنق نفسها، ويرحل الإخوة تباعا وتبتلعهم الدروب والشوارع والأحداث بحثا عن فرص عمل ولقمة عيش، في الوقت الذي تبقى فيه “راوية الأفلام” ماريا مارغريتا وحيدة وتتزوج بذلك العجوز مدير الشركة التي تستغل منجم الملح والبارود!

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى