مقالات

الترميدور الموريتاني الجديد/اتقان القطب

لا تفتأ بعض أقلام الحضيض من المرتهنين لأوهام العصبية القبلية و أهواء الانتهازية الكسيحة تحاول في عبث مثير للشفقة فبركة طبيعة الأزمة في حزب اتحاد قوى التقدم، و مسخها و صياغتها على أنها صراع شخصي، تغذيه الأحقاد و تصفية الحسابات ضد قيادة الحزب، وذلك بغية تضليل الرأي العام الوطني والحزبي وكتم أنفاس الحقيقة… فإبقاؤهما (الرأي العام الوطني و الحزبي) في ارتباك و خمود أسهل و أيسر من أن يشرح لهما طبيعة الرهان الذي يدور حوله الصراع، و الذي هو في الحقيقة: مصير النضال، والقضية، والوطن…

هكذا تتم عملية اغتيال الحزب في صمت و تقطيع أوصاله قربانا على مذبح المد الرجعي  في طقوس من الورع السياسي الآثم والانضباط الحزبي الزائف.. والحقيقة  أننا أمام مؤامرة تصفوية ترميدورية كبرى يتعرض لها الحزب في تكتيكين جهنميين:
الأول الإجهاز على المشروع المجتمعي للحزب والقائم على قيم العدالة والديمقراطية و المساواة والذي يؤطره نظريا خطه النضالي اليساري

والثاني هو اقتلاع الرؤوس الحزبية و طرد القيادات الرفاقية التي يرتكز عليها هذا الخط..

فمن خلال أغلبية ميكانيكية تتشكل في الواقع من كتلة بالغة التمييع. أعضاء طيعون من الوصوليين الانتهازيين والبورجوازيين القبليين والبيروقراطيين التحريفيين وعنصران أو يزيدان من الحرس القديم، الذين تحولوا إلى يمينيين محافظين ديماغوجيين.

تتأتى قوة هذه الكتلة من سيطرة القيادة التي تصطف معها على أجهزة الحزب التي توجهها  خلال المداولات لتختلق أكثرية زائفة ذات طابع تكتلي غير ديمقراطي ولا نزيه، من خلال هذه الكتلة إذن، تم تمرير كل القرارات وتبني كل المواقف والتصريحات التي توثق هذه المؤامرة الترميدورية على المشروع المجتمعي للحزب وخلفيته الفكرية…

المناورات العدائية والتصرفات الاستفزازية  للترميدوريين بدأت منذ مؤتمر دجمبر 2012، يومها تم الدوس على الأعراف الديمقراطية الفتية للحزب، وخرق نظمه الداخلية من خلال زرع عناصر يمينية غريبة فكريا وسياسيا على جسم الحزب وفي مناصبه القيادية، وتم ذالك بطريقة ارتجالية وتعسفية لتعزز هذه العناصر صف الترميدوريين..

فالمعلوم أن الحزب تأسس على إرث من القواعد الشعبية و الجماهيرية و القيادات والخط الايديولوجي للحركة الوطنية الديمقراطية التي احتضنت جل -إن لم يكن كل- النضال التاريخي للشعب الموريتاني ضد العبودية والعنصرية والأطماع الامبريالية الاستعمارية التي جسدتها الأنظمة الرجعية المتعاقبة. ولا تزال آثار جراح فظاعات التعذيب داخل  سجون هذه الانظمة ماثلة على أجساد بعض ضحاياها من  مناضلي الحركة تاريخيا و الحزب حاليا؛ من عمال و فلاحين  في “باسنكدي” و “بورات” و “ميت” و “الغبرة”،  و بعض قادة الحزب الحاليين من عمال كالرفيق محمد ول إميجن أمين عام قسم توجونين، و الأمين الدائم للعمال الذي كادت ظروف التعذيب في سجون الجلاد أن تكسر ظهره حين عز عليها كسر إرادته و إيمانه بقضيته ولازال لهذه اللحظة يعاني من آلام الظهر جراء التعذيب في سجون تلك الانظمة..

العناصر الوافدة والتي تم زرعها قسرا في قيادة الحزب بعض أفرادها كانوا قياديين في أنظمة القمع تلك، وهم الآن يطلون يوميا كوجه كاريكاتوري شاحب لآلام التعذيب وبؤس القهر والظلم أمام هؤلاء الرفاق…

في الانتخابات البلدية والبرلمانية سنة 2013 كان قرار المقاطعة المتهور والطائش الذي اتخذته القيادة الترميدورية بنفس آلية توجيه المداولات والتكتلات، ومن خلال تأثيرها على أجهزة الحزب رغم المعارضة الشرسة التي واجهتها في سبيل تمرير هذا القرار الصاعقة الذي كان بمثابة  أقوى ضربة تصفوية تطهيرية تم توجيها لخط الحزب الايديولوجي وقواه اليسارية الصاعدة.

بهذا القرار كشف الترميدوريون عن كارثية مخططهم وبدأ الانزلاق الحاسم للحزب إلى الهاوية . لقد خسر الحزب قواعده الشعبية  جماهيره من خلال انسحابات بالجملة من هول الصدمة. من بين المنسحبين قيادات يسارية ذات تجربة سياسية مشرفة  ماض نضالي عريق وعقول وازنة، وكان من بينهم حتى بعض القادة المؤسسين للحركة الوطنية الديمقراطية..

جل المنتخبين الذين فقدهم الحزب أيضا كانوا ينتمون للجناح اليساري. بفقدانهم لمناصبهم، كانت الضربة للقوى اليسارية مزدوجة من خلال هذا القرار. فهي لم تخسر خزانها الشعبي و بعض قادتها الأقوياء فقط، و إنما فقدت أيضا الدعم المالي الذي كان منتخبوها يدرونه على الحزب..

استيراتيجا، فقد الحزب وخاصة جناحه اليساري المنصات الانتخابية التي كان يمرر من خلالها خطابه داخل قبة البرلمان ويواجه في نفس الوقت خطاب المنظومة اليمينية الرجعية حين غابت الشخصية الكاريزماتية المحاطة بهالة من وقار القيادة والنفوذ  الرفيق محمد المصطفى ول بدر الدين، و كذالك من خلال  الاتصال المباشر بالمواطنين عن طريق عمده و مستشاريه البلديين..

في الفصل اللاحق من دراما قرار الترميدوريين التصفوي التطهيري ضد خط الحزب و قادته اليسار، بدأت الأوتوقراطية ترسي قواعدها وأخذت البيروقراطية التحريفية و البرجوازية القبلية تعبر على لسان الحزب عن ذاتها، لقد انخرطت الأغلبية الميكانيكية المائعة في جملة من التصريحات والمواقف المعادية للطبقات الهشة من عمال و فلاحين و كذا الاقليات العرقية المضطهدة.. فتجاهل معاناة الطبقات الهشة على يد طبقة الأقلية ذات الامتيازات، و النهب الممنهج للثروة الوطنية من طرف الشركات الكومبرادورية أضحت السمة الأبرز في تصريحات قيادة الحزب وخرجاتها الإعلامية و أحيانا التنكر لهوية الحزب الايديولوجية اليسارية، والعمل على خلق قطيعة مع إرث الحركة النضالي..

التنكر لمبادئ خط الحزب ومرتكزات قضاياه النضالية وتحييدها بلغ مداه في الموقف العنصري اللاإنساني الذي اتخذه بعض قادة الترميدوريين من عناصر البرجوازية القبلية؛ حين رفضوا النزول من مكاتبهم لحضور فعاليات تأبين ضحايا إرهاب الدولة في إنال و العزلات مسببين حرجا أخلاقيا ثقيلا ومأزقا سياسيا معقدا للحزب..

في الشق الثاني للتكتيك الجهنمي للترميدوريين، كانت البداية مع ملاحقة الشباب و محاولة التنكيل بهم في إجراءات ردعية قاسية على خلفية موفقهم من تصريحات القيادة التي أعلنت فيها موقفا سلبيا من الاشتراكية والعلمانية، و آخر متشددا بخصوص الحكم على ول امخطير الذي كان قضاء النظام اليميني قد قبل توبته.. 

قرار العقوبة بالتعليق ستة أشهر بحق الرفيق يوسف ولد محمد عيسى على إثر وشاية لم تكلف القيادة نفسها عناء التحقيق فيها ولا توجيه استفسار للرفيق عن حيثياتها كانت رائحة التصفوية والحسابات الشخصية تزكم الأنوف من ذلك القرار العقابي..و من دون تبصر و في عنفوان الافتقار لأبسط متطلبات العهود الرفاقية  وفي قمة الاستهتار بقيم الديمقراطية و العبث بكيان الحزب، جاء قرار الطرد بحق الرفيق يوسف، أحد الرفاق الأفذاذ من ذوي العقول النيرة وأصحاب التحليلات الرصينة، ممن لعبوا أدورا أساسية واضطلعوا بمهام نضالية استثنائية. الرفيق يوسف الذي عرفته سجون النظام منذ الثمانينات وهو يقارع  الإقطاع الاستعبادي في سبيل تحرير إحدى الإماء المستعبدات.. حبال التعليق المهترئة تطال الرفيق سيدنا ولد محمد ضمير الحزب وصاحب المزاج المحتدم لكن أيضا الشريف و الشهم..والتعليق أيضا بذات الحبال المهترئة في حق أيقونة النضال اليساري والأسطورة الثورية الحية الرفيقة كادجاتا مالك جلو في حمّى الاختلاق والتلفيق بهدف تصفية الرفاق في ظل التواطؤ المنحرف للقيادة..

و تماما مثلما قضى ترميدور على رفاقه من اليعاقبة اليسار عشية الثورة الفرنسية الكبرى و قدمهم تترى على مقصلة الشك والخيانة رافعا شعار “الوطن في خطر”، يقدم اليوم ترميدور موريتانيا الجديد الرفاق في حزب اتحاد قوى التقدم على مقصلة الطرد والتصفية و هو يرفع شعار “الحزب في خطر” كما فعلها أيضا ترميدور الرفاق في الحزب البلشفي بعد لينين وهو يرفع شعار الثورة في خطر..

و لأنه “لا أحد يستطيع أن يفلت من مخلب التاريخ الحديدي”، فإنني أستدعى صدى صيحة دانتون الذي صاح  حين حكم عليه بالإعدام “بعدي سيأتي دورك ياروب اسبير”، لعلها تدوي في كل هيئات حزب اتحاد قوى التقدم؛ في مقره المركزي وقاعات الاجتماع فيه وكل مكاتبه  وكذالك قواعده الجماهيرية في الداخل..

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى