تقارير

نواكشوط.. المدينة “المديره”

ابتداء من نهاية شهر يونيو تبدأ الدوائر الرسمية في الدخول في عطلتها، وتبدأ مدينة نواكشوط تفقد اكتظاظها السكاني، وتأخذ كراسي المقاهي رويدا رويدا في التخفف من الزائرين، كما تقل الأنشطة الثقافية والسياسية، وتشرئب أعناق النواكشوطيين إلى الريف والقرى، لا سيما مع حلول ذروة النزوح خارج العاصمة في شهر أغسطس، ولهذا كانت غالب الانقلابات التي عرفتها إما في شهر أغسطس أو مع نهاية السنة باستثناء محاولة 16 مارس.

تأخر في الأمطار وتأخير في العودة للمدينة

ما زالت المدينة في هذه الفترة التي تمثل نهاية العطلة ونحن على أبواب افتتاح السنة الدراسية شبه خالية من السكان مستدعية صورة “المديره”، حيث ما زال الناس في استجمام وحالة استمتاع بأجواء “الخريف” الممطرة، لا سيما بعد أن تأخر المطر في الهطول هذه السنة، وتم تأخير افتتاح المدارس بأسبوع كامل.

تأخر المطر جعل البعض يؤخرون توجههم إلى الريف انتظارا ليكون المناخ مناسبا، ولتكون المناظر الخريفية بعشبها وغدرانها ومشاهدها الطبيعية الأخاذة والمخضرة، بتلك الفتنة التي يحلم بها المتوجهون إليها، وهذا انعكس أيضا على تاريخ العودة، كما طرح عدة مخاوف بخصوص مستقبل التنمية الحيوانية والقطاع الزراعي، في ظل تقارير دولية تحدثت عن تصحر مناطق واسعة من البلاد، وعن كارثة تمس هذين القطاعين كما ستمس البشر المتعمدين عليهما في حياتهم واقتصادهم..

انعكاسات غير مرغوبة..

يصاحب خلو نواكشوط من سكانها انعكاسات اقتصادية قاسية بالنسبة للسوق، ولا سيما أصحاب المحلات الصغيرة والباعة المتجولين  وباعة الطعام وأصحاب أماكن الترفيه. يقول م.ت. وهو صاحب مقهى “إن ذهاب  الناس إلى البادية والريف من أجل التمتع بأجواء الخريف ومناظره، يجعل مبيعاتنا اليومية تهبط إلى أقل من النصف المعتاد، وربما  أقل  أحيانا”، في الوقت الذي تغلق فيه بعض الدكاكين والمحلات التجارية والحوانيت الصغيرة أغلب الوقت.
أما بالنسبة لبائع “الكبدة” ح.م فيرى أن للناس الحق في الخروج من المدينة للاستراحة من أصوات السيارات، ومن درجة الحرارة العالية التي تطبع المدينة أثناء هذه الفترة، ولكن بالنسبة لنا نحن-يضيف وابتسامة تعلو محياه- فإننا نفضل أن لا يخرج الناس من العاصمة لأن ذلك يضر تجارتنا.
أما بالنسبة لتجار الجملة فإن الأمر ليس بذلك السوء، خاصة بالنسبة لمن يذهبون إلى مناطق مجاورة وغير بعيدة من نواكشوط، فهم يشترون غالبا مستلزماتهم بالجملة، وينقلونها إلى القرى التي يقررون أخذ راحتهم فيها، ومن هنا يكون الإقبال على محلات البيع بالجملة منتعشا إلى حدما، وإن ظل الأمر مرتبطا ببداية العطل الرسمية.

بالمقابل تنتعش القرى والأرياف وتكثر مظاهر البذخ والاستهلاك، حيث تذبح رؤوس من الغنم بشكل يومي، وحيث تنتعش الدعوات والدعوات الموازية بين مختلف الجيران والأقارب، وكذلك تكثر خرجات الشباب في أيام العطل من أجل الاستمتاع بمناظر العشب وروائح مياه الغدير ومناظر الحيوانات التي ترعى في المراعي الخضراء، وهي مشاهد لا تتكرر إلا مرة واحدة في السنة وفي هذا الفصل بالذات، وهذا ما يعطيها أهمية استثنائية ويجعل منها فرصة يرى كثيرون ضرورة استغلالها ما سمحت الظروف بذلك.

نهاية فصل “الفردوس”


بعد ثلاثة أشهر تقريبا من بداية العطل الرسمية، و من دخول الموريتانيين في فصل راحتهم واستجمامهم، وعلى أعتاب نهاية هذه العطل ما زالت مدينة نواكشوط تقاوم من أجل استعادة حيويتها ونشاطها التجاري والثقافي والتعليمي، وإن كانت درجات الحرارة العالية، وكذلك القمامة المتراكمة لا تغري الكثيرين بالعودة الفورية إلى عاصمة تحتضنهم كل سنة، ويفلتون من قبضتها كلما سنحت الفرصة، باحثين عن متنفس في القرى البعيدة التي لا تتوفر على مقومات المدينة من ماء وكهرباء وطرق ومستشفيات غالبا، غير أن لهذه القرى والأرياف مكانتها في الذهنية الجمعية للناس وفي  مخيالهم الجماعي، حيث تمثل البساطة والطبيعة والهروب من المدينة وضغوطها الكثيرة، إلا أن فصل الفردوس بالنسبة لهؤلاء قد وصل إلى مشارف نهايته.

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى