الافتتاحية

جرائم مستمرة.. هل أصبحت السلطة واعظا؟/ الشيخ نوح

هذا هو التعميم الثاني الذي تصدره وزارة الشؤون الإسلامية، والذي يمس الحياة المباشرة للسكان، ويتعلق بمشكلة حقيقية تعترف بها السلطات الرسمية، لكنها لا تتخذ الإجراءات اللازمة لحلها، بل تكتفي بفضيلة الاعتراف بالحقيقة دون الذهاب إلى أبعد من ذلك.
القرار الأول كان يتعلق بتعميم يقضي بأن تقيم المساجد على كامل التراب الوطني صلاة الاستسقاء في يوم جمعة مشهود، غير أن ما لم تقم به السلطات هو اعتماد خطة استعجالية لمواجهة الجفاف والمجاعة التي تحدثت جهات دولية مختصة عن حتمية حدوثها ابتداء من منتصف السنة التي على الأبواب، فاكتفت بقرار لوزارة ليست هي المسؤول الأول عن الكارثة إذا حلت.

فهل بدأ عهد إلقاء كل المسؤوليات على عاتق وزارة الشؤون الإسلامية؟

وهل نصح مستشارو الرئيس ولد الغزواني الرجل باعتماد سياسة النعامة هذه، واللعب على العاطفة الدينية لهذا الشعب الفقير والأمي لأهداف سياسية وتهربا من المسؤولية الأخلاقية والتاريخية والقانونية للحكومة بخصوص ما يتعرض له الشعب من خديعة واحتيال، من طرف رجال أعمال ومتنفذين، يبيعونه السم الزعاف على شكل أدوية مزورة ومواد غذائية منتهية الصلاحية؟
وما دخل وزارة الشؤون الإسلامية في ذلك؟

وأين دور وزارة البيئة ووزارة التجارة وأخيرا وزارة الصحة؟
من الواضح أن كل هذه الوزارات تتداخل مسؤولياتها في هذا الملف الشائك، والذي إذا كانت الحكومة جادة في تحريكه، والقضاء على هذه الممارسات، فعليها اتخاذ إجراءات عملية، وعقوبات قانونية ضد من يقتلون الناس في وضح النهار، إما إذا لم تكن جادة أصلا أو أن والإرادة السياسية اصطدمت كالعادة بالحسابات القبلية والسياسية والمصالح الشخصية، فكان من الأجدى ترك هذا الملف طي الكتمان، تماما على غرار ملفات كثيرة أخرى مثل التهرب الضريبي والفساد الضارب أطنابه في أروقة المؤسسات والإدارات، وكذلك الفشل البنيوي على مستوى التعليم والصحة والبنى التحتية.

إن الحكومة اعترفت رسميا بوجود تجار يبيعون المواد الغذائية منتهية الصلاحية، وذلك من خلال هذا التعميم، ولا شك أن الإدارة لا تتحدث عن تخمين، وبل تتحدث وقائع ملموسة، وليس عن أفكار مجردة، فما الذي يمنع السلطات من التحرك للقبض على هؤلاء وتقديمهم إلى العدالة؟
وما الذي يمنعها أن تتيح المعلومات الدقيقة وبالأرقام عن حجم الظاهرة وتمرير هذه المعلومات لما تبقى لدينا من إعلام؟
وما دامت السلطات اعترفت بنفس القدر بوجود متاجرين بالأدوية المزورة، فلماذا لا يتم التحرك فعليا من أجل إيقاف هذه المجازر بحق شعب يتمالأ عليه التاريخ والجغرافيا وقادة ونخب سياسية واقتصادية وثقافية، ولا يجد من يرحمه؟
كان الأولى أن تشن السلطات حربا لا هوادة فيها على هؤلاء الوحوش الجشعون للمال الملطخ بدم الأطفال والمرضى والشباب العجزة، قبل أي تعميم أو تحسيس، فالجريمة لا يقضى عليها بالتحسيس فقط، وإنما أيضا بالقانون أولا.
يجب إيقاف هذا الانفلات الأمني، فتهديد الأمن ليس فقط عن طريق السلاح، وإنما أيضا الأمن الغذائي والصحي والاجتماعي والثقافي، ففي مجتمع لم تعد المنظومة الأخلاقية والدينية قادرة على ضبط سلوك أغلب الأفراد فيه، لا بد أن يتم تفعيل القوانين وسن قواننين رادعة جديدة من أجل حماية الدولة والمجتمع، فالدولة لا يجب أن تكون، ولم تكن يوما، ولن تكون واعظا.

ننتظر، وكلنا أمل، أن نرى هؤلاء اللصوص والقتلة وراء القضبان، وأن تشن السلطات حربا حقيقية على مثل هذه الجرائم التي أوجع ما فيها هو بعدها الإنساني وتلفع أصحابها بتقوى زائفة، واستغلال المشاعر الدينية النبيلة من أجل التغطية على أبشع الجرائم في حق الإنسان والوطن والبيئة.. فمتى سنرى ذلك؟

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى