تقارير

كوخ مريم.. في مهب أحياء الأثرياء الطاحنة!

لاله المد

تنتشر بين البيوت الفاخرة في حي تفرغ زينه عشرات الأعرشة والمساكن الخشبية في صورة تجسد مدى تناقض الصارخ في هذه الجيرة بين الثراء والفاقة.

أصحاب هذه الأعرشة يشكلون في الغالب أسرا دفعت بهم الظروف المعيشية الصعبة، إلى الاحتماء بظل الأثرياء عسى أن تجود الأيادي من قريب بما يشكل فائضا، تسعى الأسر الغنية للتخلص منه، والذي يشكل في الغالب غنيمة محمودة لجيرانهم الفقراء.

لكن العلاقة قد لا تجمع النقيضين الجارين بتلك الحميمية أحيانا حسب مريم والدة الأسرة حديثة السكن بالحي،
تقول مريم بأن الظروف أرغمتها على مغادرة البيت الذي كانوا يستأجرونه في الميناء، بعد أن عجزوا أشهرا متتالية عن دفع الإيجار لصاحبه، فما كان منه إلا أن أخرجها كرها وألقى بها مع أطفالها الخمسة إلى الشارع.
وتواصل مريم “بتنا ليلتين عند جيراننا في الحي، قبل أن تقنعني صديقة لي بالتوجه إلى حي تفرغ زينه، فالمعيشة هناك جيدة جدا؛ حيث سيمكنني تقاضي راتب شهري مقابل الحراسة، والعيش بما يتصدق به أصحاب البيوت من الأغنياء.
لكني- تواصل مريم كلامها بحزن باد- لم أوفق في إيجاد بيت للحراسة، وهنا قررت التوجه إلى هناك، بعد أن أعارنا رجل طيب قطعته الأرضية الخالية تماما من أي عمران، واستلفت بعض المال من قريب لي، وشيدت به هذا الكوخ وهذا العريش.
غير أن الأمور لم تجر كما كانت مريم تخطط له، وقد أخبرتنا بذلك وملامح الخيبة طافية على وجهها “في البداية كانت الأمور تجري بشكل طبيعي، رغم عدم ظهور التعاطف الذي حدثتني عنه صديقتي مسبقا، لكن على الأقل كنت تحت ظل يحميني أنا وأبنائي الخمسة من حر الشمس ولسعات البرد، قضيت أياما وليالي في انتظار أن يلفت مسكني انتباه الجيران المارين بسياراتهم الفاخرة من أمام عتبتي لكن المفاجئة كانت عكس المتوقع، فقد بدأ الجيران في مضايقتي وأبنائي باستمرار دون سبب، فهم دوما يبحثون عن أبسط سبب لإلقاء اللوم علي، والتلفظ بالعبارات الجارحة تجاهي، حتى أصبحت ألام على تسكع قطيع من الغنم لأسرة أخرى بجانب سياراتهم، بحجة أنني أترك بعض الأواني أمام مسكني.
ورغم كل هذه الإشارات التي لا تعبر عن احتفاء الجيران لمريم وبأطفالها، إلا أنها ظلت متمسكة بخيط الصبر لعل في الأفق ما سيخفف محنتها في الأيام القادمة، تقول مريم “حاولت التأقلم مع الوضع وعدم الدخول في المشادات معهم، حتى ظهرت سيدة جديدة يبدو أنها كانت في عطلة هي وأبنائها خارج الوطن، هذه السيدة قررت عند وصولها التخلص على الفور من مسكني، بحجة أن أطفالها سيكتسبون عادات سيئة من أبنائي، وبدأت في البحث عن صاحب القطعة الأرضية، ومحاولة إيجاد رقمه للإتصال به، لكن صاحب الدكان المجاور لنا لم يعطها الرقم بحجة أنه لا يعرف الرجل معرفة شخصية، وإنما يطل عليه من حين إلى آخر للاطمئنان على قطعته فقط”
والآن أنا أعيش هنا مذبذبة -تقول مريم- بين ذل الحاجة وقساوة الجيران.
قبل أن تضيف بنبرة أمل لا يعضدها الواقع “لكنني آمل أن يتغير الوضع إلى الأحسن، بحيث يعيشون حياتهم برخاء ويتركوني أعيش بسلام”.

لم تكن مريم القصة الإنسانية الوحيدة أثناء بحثنا في الموضوع؛ بل يمكن القول إنه تحت كل عريش حكاية تستحق السرد والكشف عن جوانب منها تعبر عن التناقض الصارخ بين القيم التي يتشدق بها المجتمع وبين ضراوة الحياة الواقعية وقسوتها، غير أن الغريب ربما في الأمر، هو أن بعض من صادفناهم لا يرغبون في مغادرة أعرشتهم تحت أي ظرف نتيجة ويعطون أمثلة على المعاملة “الجيدة” التي يتلقونها من جيرانهم الأثرياء.
هذا وقد لاحظنا اختلاف وجهات النظر حول الظاهرة، بين من يراها تكافلا اجتماعيا منطقيا، وبين من يراها عدم احترام للنظم الحضرية للعاصمة، حيث أن هذا الجوار نهائيا بين عريش مهترئ  وفيلا عصرية يخدش الطبيعة العمرانية للحي الغني، وبين الرأيين يخيم ليل مبكر على ساكنة تلك الأعرشة حيث يعيش أغلبهم في الظلام بين الأنوار!

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى