تقارير

حرب السجائر، مضاربة تجارية أم استهداف سياسي؟

محمد الأمين سيدي بوبكر

شهدت سوق السجائر في موريتانيا خلال الأعوام الأخيرة تذبذبات كبيرة واضطرابات خطيرة وغير مسبوقة، أدت إلى تراجع شركات بفعل فاعل وصعود أخرى، وندرة عينات السجائر المعروفة والجيدة نسبيا، وظهور أخرى بديلة غير معروفة، ولاترقى إلى الحد الأدني من الجودة في أغلب الأحيان بحسب مستخدميها، بالإضافة إلى الارتفاع الصاروخي للأسعار الذي ينعكس سلبا بالضرورة على المدخنين من ذوي الدخل المحدود.

وينتشر إدمان التبغ ومشتقاته بشكل مهول في المجتمع الموريتاني وخصوصا الفئة الشابة، فبحسب تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية نهاية 2016، فإن نسبة المدخنين في موريتانيا تبلغ 18% من البالغين، و22% من المراهقين، وأضافت المنظمة في تقريرها أن 50% من المدخنين الموريتانيين يرغبون في التوقف عن التدخين، في الوقت الذي حاولت فيه نسبة 61% التوقف عنه ولم تستطع، وشددت المنظمة على ضرورة تدخل السلطة الموريتانية لمكافحة التدخين والحد من انتشاره.

مراحل الحرب على التدخين

مرت سوق السجائر الموريتانية بعدة مراحل قبل أن تصل إلى ماهي عليه اليوم ففي بداية عام 2017 ظهرت عدة مبادرات مناوئة للاتجار بالتبغ ومشتقاته، واتهمت حينها تجار التبغ ومشتقاته بالوقوف خلف عرقلة اعتماد قانون لمكافحة التدخين.

وكاستجابة للحراك المتزايد ضد التبغ ومشتقاته، ومحاولة لرفع الحرج عن نفسها صادقت الحكومة الموريتانية بداية 2018 على مشروع قانون يحمل مصنعي ومستوردي التبغ ومشتقاته المسؤولية المدنية والجنائية في حال حدوث أي ضرر ناتج عن استخدامه وأحالته للجمعية الوطنية.

وبالفعل صادقت الجمعية الوطنية في شهر مايو 2018 على مشروع القانون المقدم من قبل الحكومة، المتعلق بإنتاج واستيراد واستهلاك وتسويق وتوزيع وإشهار وترويج التبغ ومشتقاته، ويمنع القانون منعا باتا الإعلان عن التبغ ومشتقاته، كما يحظر استخدامه في الأماكن العامة، ويلزم المنتجين له بذكر الأضرار الصحية المترتبة على استخدامه، ويسعى إلى رفع الضرائب عليه، وتعزيز مكافحة الاتجار غير المشروعة به.

وخلال جلسة المصادقة على المشروع آنف الذكر قال وزير الصحة حينها كان بوبكر إن “مشروع القانون يهدف إلى منع أو الحد من ظاهرة التدخين بصفة خاصة، والحد من استعمال مادة التبغ بصفة عامة، لما تحمله من آثار سلبية على الصحة بشكل عام”، وأضاف أن تحريم التبغ ومشتقاته بشكل كلي، أمر غير موضوعي في الوقت الراهن.

واسترسل الوزير في الحديث قائلا “إن انتشار التدخين بشكل سريع وسهل، وراء إعداد مشروع القانون، وتقديمه للمصادقة عليه، لكن القانون نفسه لن يمنع تدخين السجائر، وإن كان سينظم ويقنن استخدامها وتداولها، مع التركيز على التعبئة والتوعية المكثفة بخطورتها، وترك الحرية للمواطن في إتخاذ القرار المناسب له عن وعي” على حد تعبير، كما أعرب أعضاء الجمعية الوطنية الذين حضروا الجلسة عن تأييدهم للمشروع، ودعوا إلى آلية فعالة لتنفيذه.

نتائج الحرب على السجائر

بعد أعوام من الحرب على التبغ ومشتقاته يشكو المدخنون من ارتفاع أسعار ملكة السجائر كما يحلو لهم وصفها (مارلبرو)، المنتج الأكثر رواجا حول العالم لشركة موريس الدولية، الذي يستورده رجل الأعمال الموريتاني المقيم في المنفى محمد ولد بوعماتو، إذ بلغ سعر علبتها 4500 ضعف سعرها العادي 7 مرات تقريبا، ويرى مراقبون أن الارتفاع الصاروجي لمارلبور يرجع لعدة عوامل من أهمها الضرائب الجزافية، الناجمة عن المنافسة غير الشريفة، وتصفية الحسابات السياسية خاصة التي انتهجها الرئيس السابق ولد عبد العزيز ضد رجل الأعمال محمد ولد بوعماتو، وذلك من أجل ضربه اقتصاديا، وإتاحة الفرصة لمقربين من الرئيس السابق للاستيلاء على هذه السوق.

وعلى النقيض من شكاوي وتذمر المدخنين رحب غيرهم وسجلوا ارتياحهم لللتضييق على التبغ ومشتقاته وما نجم عن ذلك من ارتفاع في أسعاره، عساه يتسبب في تقليص أعداد المدخنين ولو من فئة العاطلين والمعوزين التي تشكل رقما صعبا في فئة المدخنين الموريتانيين، غير ان المؤشرات الموضوعية لا تشي بأن ارتفاع الأسعار وسيلة ناجحة لجعل الناس يكفون عن التدخين، بل هو في الحقيقة طريقة للمضاربة ومضاعفة أرباح الشركات التي تقدم التبغ الرخيص والرديء، حيث لاحظ مدخنون أن سيجارة رخيصة كانت توزع بالمجان قبل عام ثم أصبحت تباع بمبلغ 200 أوقية قديمة أصبحت الآن تباع بضعف ذلك السعر ثلاث مرات أي 600 أوقية قديمة .

وهذا جعل آخرين يرون أن الرياح جرت بما لاتشتهي السفن، فلا المدخنون تقلصت أعدادهم، ولا السجائر بقيت بأسعارها العادية، ولم تثمر الحرب على التبغ ومشتقاته سوى انقراض وغلاء أسعار أنواع السجائر على الترتيب (الجيدة) والمقبولة، وإعطاء الفرصة لسجائر غير معروفة، وأخرى لايختلف اثنان على ردائتها لحجز أماكن لاتستحقها في السوق، وكما هو الحال في كل الحروب،الخاسر الأكبر هو المواطن العادي، ولم تكن الحرب علي التبغ ومشتقاته استثناء ولا بدعا من الحروب.

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى