ثقافة

في “ذكرياتٍ رحالة” صوفي دبازاك تبكي أطلال البدو الرحل في موريتانيا…

الحاج ولد إبراهيم

في دار عرض زين آرت، يستمر معرض الفنانة الفرنسية صوفي دبازاك الذي اختارت له عنوان “ذكريات رحالة”. تعبر الأعمال الفنية المعروضة وهي عبارة عن لوحات كولاج صغيرة الحجم تستخدم بقايا أقمشة “ملاحف” الزركشة المسماة “لخياطة”، تعبر هذه الأعمال مرثيات بصرية لنمط حياة البدو الذي طبعته البساطة والتقشف في الشكل واللون لوقت قريب جدا. تقول صوفي دبازاك أن هذا العمل الفني يشكل وجها آخر لعملها في فن النسيج. “أثناء رحلاتي عبر الصحراء أحب التقاط آثار الحياة التي يخلفها البدو الرحل قرب البئر أو المنازل بعد الرحيل. هنا أو هناك أقوم بالتقاط قطع قماش صغيرة تقطعت بها السبل على الرمال متشبثة بنبتة شائكة أو بغصن شجيرة سنط. مع الوقت تتحول قطع القماش إلى غبار لذا أقوم ببعثها بإعطائها حيوات جديدة كتحية لرجال ونساء الصحراء. في هذه الأعمال أتخيل راعيا بدراعته وسط قطيعه وألوان وقطع القماش التي بين يداي”.

في “ذكريات رحالة” يلاحظ أن دبازاك عملت على فكرتين أساسيتين هما تزاوج الألوان أو تضادها لتكون المحصلة إما فكرة تجريدية ناتجة عن تداخل الألوان أو تناقضها أو توليد أبعاد شكلية تصويرية كعاصفة رملية صفراء تعصف بخيمة بيضاء معزولة أو إخراج واحة نخيل خضراء من بين رمال الصحراء فقط باستخدام تدرجات الأخضر بجانب بعضها البعض في أسلوب يذكر بتحفة المنسوج الفني الشهيرة “أغنية الطير السجين” للفنان البريطاني كريس اوفيلي. من ناحية أخرى تظهر المادة المستخدمة جلية وبشكل واقعي جدا في لوحات دبازاك من خلال حرصها على استخدام أقمشة بالية في مراحل تحللها النهائي خصوصا أقمشة النيلة الزرقاء التي تعتبر اللباس الأصلي للمرأة الموريتانية قبل دخول الزركشة واللون على الملحفة الموريتانية بداية السبعينات. أضافة للقطن، وهو القماش الحصري لملحفة الخياطة الموريتانية، تحضر أقمشة أخرى ولو بشكل أقل في أعمال دبازاك مثل قماش الشيفون، الدانتل والبوليستر.

بعد النجاح الذي حققته النتائج النهائية لهذا الأسلوب الفني والمتمثل في البهجة البصرية التي تحققها هذه الأعمال الفنية، تفكر دبازاك مستقبلا بمغامرة فنية جديدة تتمثل في طباعة هذا الكولاج الفني لإنتاج أقمشة صناعية جديدة مستوحاة من فكرة الأقمشة البالية ليدخل الجديد في دورة حياة جديدة في انتظار أن يندرس وهذا دواليك.

انتباه الفنانة الفرنسية صوفي دبازاك للملحفة الموريتانية يعتبر لفتة موفقة للتراث الثقافي المادي الموريتاني وللملحفة كتراث ثقافي تشترك فيه أكثر من ثماني دول وشعوب تنتشر في دول الساحل والصحراء الكبرى هذا عدا عن طرحه لإشكالية مهمة هي ضرورة اعادة النظر للملحفة كعمل فني متقن زركشة وصباغة والتي ظلت، مثل الكثير من الأعمال الحرفية المتقنة، ضحية النظرة الدونية التي تفرضها البنية الطبقية البائسة للمجتمع مما يحرم المشتغلات في زركشة وصباغة الملحفة ما يستحقونه من دراسة وتقدير كفنانات ومبدعات ينتجن أعمالا يدوية تحمل بصمة ثقافية مميزة إضافة لكونها وثيقة اثنوجرافية نادرة وأصيلة.

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى