شطحات

انقلاب بشير/ محمد الأمين محمودي

بشير ولد ببانة صحافي معروف عمل لقنوات وصحف دولية ولموقع صحراء ميديا وكان منعشا في اذاعة النباغية المحلية، لكن قبل كل هذا كان طفلا و”مرابطا” صغيرا وحملا وديعا، قادته الأقدار ذات يوم من ايام طفولته لأن يركض خلف مسيرة يعتقد هو الآن أن لها علاقة بالداه ولد الشيخ أو  غيره. ماحصل ان الصبي بطريقة أو بأخرى قام بحركة التفافية ولم ينتبه له الحراس إلى أن وجد نفسه يصول ويجول بلا أحذية على رخام القصر الرئاسي بانواكشوط. مارس التزحلق ظنا منه أنه على جليد، ركض وصرخ وضحك وكركر.. دخل المكتبة أو المكتب ثم سار في الردهة الكبيرة قبل أن يقف إلى جانب تمثال لايظهر حراكا و إن امتشق سيفا، وفجأة صفعه التمثال الحارس حتى خر صعقا، وواصل التمثال صمته وجموده ليُدخل  الحرس الطفل الى مجلس الرئيس معاوية. كان معاوية جالسا على الأريكة و يدخن سيجارته بهدوء ويتتبع بعينيه دوائر الدخان في الفضاء وكأنها ستوصله الى قرار تاريخي في حين كانت الراحلة سادية محمد كامل رحمها الله تنظر بغير اكتراث الى الصبي القذر (افترض انه كان قذرا او متسخ الثياب في أحسن الأحوال)..

بعد ان تبادل الحضور النظرات أخذ نجل الرئيس احمد ولد الطايع بيد الغلام و أخرجه، وبالنسبة لبشير كان ذلك طريقه الى المقصلة فقد تجاوز كل الخطوط، ركب مع احمد في سيارة يقودها شخص يسمى القذافي، بعد أن أخبرهما  بعنوانه أوصلاه إلى الحي ثم منحه أحمد كمية من الشوكولاتة يعتقد بشير الآن أنها من نوعية “كرش البطرون” ثم شقت السيارة طريقها في ليل انواكشوط تاركة لبشير وذويه حالة قلق وخوف من أن معاوية سيعتقلهم ذات يوم..

القصة حدثت بالفعل، وانقلاب بشير مريح نسبيا خاصة أنه خرج بغنائمه، فمن دخل القصر وأخرج منه يخرج عادة مكبلا ومحملا بخفي حنين، أما أن يخرج بالخزائن ومافيها أي بشوكولاتة الشعب فلايمكن أن  يرف له جفن أو أن يشعر بالسعادة.

تصوروا معي أن الغلام اكتشف القصر ودعة الحياة فيه والمال الوفير والحراسة والسيادة والنفوذ.. تصوروا معي أن بشيرا حصل على المليارات هناك و أنه نال مايبتغي من تزكيات وتطمينات من سياسيين وعلماء وجنود وضباط وسفراء.. ثم تصوروا معي أنه قرر الاكتفاء والخروج كما وعد عند الدخول، لكن حين قرر ذلك اكتشف أن الحرس خلال أيامه الأخيرة أشعروه بعدم جدوائيته وصاروا يمازحونه ممازحة خادمة البيت لرب بيت لها معه أحاديث سابقة، ثم صار الجميع يلعنونه بطريقة أو بأخرى أو يتجاهلونه، قبل أن تفكك كتيبته الرئاسية وتسمى بالتجمع أو حماية الطبيعة، افترضوا معي أن بشيرا اكتشف في آخر لحظة أن  كنزا سيخرج من باطن القصر بعد أيام.

لاشك أنه رغم الترغيب سيخرج لأنه لايطيق الترهيب ومجابهة الجنرالات والعساكر ولاطاقة له طبعا برحلة بناء لشرعية غير مضمونة. هذا مايفترض ان يحدث لكن ماذا لو اكتشفتم أن بشيرا استيقظ من نومه فوجد أنه اصبح شجاعا ومتهورا، ثم تذكر حربائية وضعف جميع من تملقوه وهم أغلب السكان كما تذكر أنه يحتقر من عارضوه لأنه فككهم وقطع ألسنة خطبائهم وزرع فيهم أرَضَة كادحة، تأكل الضمير والحديد ولاتؤمن بالأخلاق في السياسة..ثم تذكر أنه من صنع الجنرالات وكبار الضباط من مادة هلامية.

أبَعدَ كل هذا تعتقدون أن بشيرا سيخرج من القصر..لا أعتقد!!.. وإن فعل فمعنى ذلك أن نذيرا أنذر البشير و أرغمه بالقوة على الأكل من تفاحة آدم.

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى