زاوية خاصة

عزيز و قطيع الغنم (قصة فيديو قصير)/ مريم بنت عينينه

في الوقت الذي كان فيه مراسل تقدمي يغطي وقفة لبعض الشباب المحتجين على انعدام الأمن في مدن الداخل، تفاجأ بقطيع من الغنم يخرج من بوابة القصر الرئاسي، لا تلوي منه مِعزى على حَمَل، متجها جنوباً، صوبَ مبنى البنك المركزي. 

أصيب المراسل بالذهول من هذا المشهد الغريب على عاصمة “فتيّة”، كما يحلو للإعلام الرسمي أن يصفها، ثم بدأت الأسئلة تتزاحم في رأسه المثقل بمطاردة الأخبار، و ملاحقتها.

هل أن الغنم أيضا تشكو انعدام الأمن، حتى و هي داخل أسوار الرئاسة؟! فليست “الطينطان” وحدها التي تندب حظها في انعدام الطمأنينة.. فإذا كان ولد عبد العزيز قد عجز عن تحقيق الأمن لنِقاد غنمه، فهو عن تحقيقه لما سواها أعجز.

تذكر المراسل، الذي تملّكه الذهول و عقدت لسانه الحيرة، حديثاً شريفاً:  “كلكم راعٍ و كلكم مسؤول عن رعيته”، فأدرك أن رئيساً عجز أن يرعى غنمه هو أعجز من أن يرعى شعباً حروناً، من أفناء الشرائح و الأعراق و نوازع القبائل و العشائر، و شتات المشارب الفكرية و الإيديولوجية..!

و من رعى غنماً في أرض مسبعة

و نام عنها تولّى رعيها الأسد

مشكلة هذه الغنم أن أسداً هصورا ذي لبد و نياشين، عاش عمرَه قرِماً، هو الذي يرعاها، فلن ينجيها الهروب من أشداقه التي لاكت الحديد و النحاس و الذهب و السمك و جعلت منها عصائد لذيذة، له و لأسرته و أبناء عمومته، و لاشك أن لحم الضأن أهنأُ منها و أمرأ.. خصوصا أن غباء الغنم دفعها للهروب شطرَ البنك المركزي.. البنك الذي أكل الراعي كل سوائم أغنامه و هملها، و مصّ مشاشها و كتِدَها.

و لكن من يُلام؟!

لا يلام الذئب في عدوانه

إن يكُ الراعي عدوَ الغنم!

و مأساة هذه الغنم الشاردة أن الذئب هو راعيها، و أن حراميها هو حاميها، و أنها مطلوبٌ مغلوبٌ على أمره يتقلب في كف طالبه. 

إنه لا أمان للغنم من ذلك الذئب المحتبي في قصره، فبالإضافة لأنه ذئب أطلسُ عسّالٌ (تماماً كذئب الفرزدق) فبحوزته ميلشيا عسكرية، و كتائب و مقانب و ثكنات تمشي خلفه لا تسأله أين يذهب، تماماً كما كان شأن فوارس فزارة مع الأحمق المطاع في قومه عيينة ابن حصن.

إنه أشبه بالأسد الذي أقسم يوماً أحد الجبناء لقومه أن يريحهم من فتكه بمواشيهم، فأخذ معه بندقيته طويلة الخرطوم، و تسلق  الدوحة التي يستظل الأسد بها عادةً، غير أنه ما أن رأى الأسد تحته حتى أخذته العرواء و سقطت البندقية من يده و علقت عروتها برقبة الضرغام الجاثم الذي ولّى هارباً و البندقية معلقة في جيده. عاد الجبان إلى قومه، ليزف إليهم الخبر السيء “كنتم تخافون الأسد أعزلَ، و قد أصبح الآن بحوزته بندقيه”.. أراد علاج العين ففقأها..!

هذه أيضا مشكلة “الغنم الشاردة من القصر الرئاسي” فراعيها ذئبٌ برتبة جنرال، و بحوزته ميليشيا اسمها “بازب”.

إن هذا الذئب الخؤون، الذي طالما غدر بأقرانه، سيتربص الدوائر  بصديقه (محمد ولد الغزواني)، و سيطلب منه أكثر من الأمن و عدم المتابعة على جرائمه الكثيرة، فليس عليه إلا أن يخاطبه قائلا، و يده على قائم سيفه:

تعشَ فإن عاهدتني لا تخونني

نكنْ مثل من يا ذيب يصطحبانِ

فأنت أمرؤ يا ذئب و الغدرَ كنتما

أُخَيّيْنِ كانا أُرضعا بلبانِ

تاريخ ذئب القصر الرئاسي مع الغنم طويلة، فقد كانت خطاباته بعد الانقلاب على الرئيس المنتخب سيدي ولد الشيخ عبد الله أضحوكة متابعيها، فقد كان يكثر ذكر “الغنم” في خطاباته، بمناسبة و بدونها.. مرة تعجب من شعب يتقاضى فيه موظف خمسين ألف أوقية و بمجرد أن يتسلّمها يشتري شاة بنصف راتبه، و يظل يومه يرتمي مع أصحابه بشحمها و لحمها، لا يدّخرا منها غريضاً و لا يابساً، لتفاجأه المصاريف الأخرى، فيلجأ للاستدانة.

هذا المثال عرّض الذئب حينها للتندر و السخرية.!

و لكن هل يضرب الذئب مثلاً إلا بشاة.!

.. الخطأ في الشعب (الغنم) الذي يجمع بين الشاة الخنوع و بين الذئب، فلا تثور عليه، و لا تنتفض من مخالبه، و قد صدق بشار ابن برد في تعريضه بالكسائي، حين قال:

أبا الأمين جزاك الله مكرمة

لا تجمع الدهر بين الشاة و الذيب

فالشاة تعلم أن الذيب ياكلها

و الذيب يعلم ما في الشاة من طيب

و كما يقال “فالغنم تقضي عمَرها خائفة من الذئب، و في النهاية يأكلها الراعي”، فما بالك حين يكون الذئب هو راعيها الذي ترجو منه الحماية، و رئيس فقراءها و عملها الإسلامي و قائدها الملهم و زعيمها المستنير، قاهر الإرهاب و الفساد و “الغنم”..

صدق أحمد مطر:

“نزعم أنا بشرُ
لكننا خراف!
ليس تماماً.. إنما
في ظاهر الاوصاف.
نُقاد مثلها؟ نعم.
نُذعِن مثلها؟ نعم.
نُذبح مثلها؟ نعم.
تلك طبيعة الغنم.
لكن.. يظل بيننا و بينها اختلاف.
نحن بلا اردية..
وهي طوال عمرها ترفل بالاصواف !
نحن بلا احذية..
وهي بكل موسم تسبدل الاظلاف !
وهي لقاء ذلها.. تثغو ولا تخاف !
و نحن حتى صمتنا من صوته يخاف !
وهي قبيل ذبحها تفوز بالاعلاف
و نحن حتى جوعنا يحيا على الكفاف !
**
هل نستحق يا ترى، تسمية الخراف ؟!!

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى