الأمين العام للخارجية يرفع ظلم استمر لعشرين سنة

ترقية بعد 34 سنة من العمل إطارا و إطارا دبلوماسيا في الوظيفة العمومية
وصلتني اليوم نسخة من مذكرة ترقيتي إلى مستشار أول بالسفارة بعد 5 سنوات من الانتظار. و بهذه المناسبة أتقدم بجزيل الشكر إلى كل من معالي الوزير محمد سالم ولد مرزوك و سعادة الأمين العام الدمان ولد همر. و هو شكر مستحق مرتين لأنهما منحاني الترقية دون من و لا تدخل و لا وساطة، و الثاني لأنهما أعطيا توجيهات للمصالح المختصة بالوزارة لتطبيق معايير شفافة و عادلة، يشعر المرء بالاعتزاز و الفخر للترقية في ظلها، ما دام لن يحتاج معها إلى تبرير ترقيته و لا توكيل محام للدفاع عنها.
و رغم أن الأمر يتعلق بقرار إداري داخلي من النوع الروتيني، بالنسبة لمساري المهني الشخصي كما بالنسبة لتسيير المسارات المهنية في قطاعنا الوزاري، فقد وجدتني محتاجا إلى تدوينة تمس المجالين الشخصي و المجال العام لتسيير المصادر البشرية في قطاعنا الوزاري :
في البعد الأول، يركز حديثي هنا على الدرس الذي تقدمه حالتي أنا للكل الوطني، خصوصا لمن يمكنهم أن يجدوا فيها و في النماذج القليلة المشابهة لها وطنيا، ما أجده أنا فيها من درس و عبرة للتعلم و الاعتبار. على هذا الصعيد أقول : كلي أسف لكون جميع المحيطين في بلدي – و أكاد لا أستثني أحدا – يجمعون على أنه بدون وساطة قريب أو جنرال أو لوبي سياسي أو رشوة فاعل مافيوزي كبير، لا أمل في تحقيق أي تقدم وظيفي. و كل من يريد الترقي في الوظائف لابد له من التعامل مع أحد الواصلين في أحد الأجنحة السياسية في الموالاة أو في المعارضة أو أحد أطراف الصراع المحلي، أو واحد من كبار أرباب العمل أو الفاعلين و الشركاء الدوليين الأقوياء. و البعض يرى أن لزوجات هذا النوع من المؤثرين دورا سحريا من حيث السرعة و الفعالية.
مقابل وضعية كهذه خذوني مثالا. أنا من حيث الرأي السياسي أغضب المعارضة و الموالاة معا. و إذا كانت الموالاة جالبة للمناصب و التعيينات فأنا مؤيد متطرف للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، لكنني في أحيان كثيرة أوجه من سهام النقد للحكومة و الموالاة ما تعجز عنه المعارضة. و فيما يخص القبيلة، لن أكون مجانبا للصواب إذا شاركت شعار ابن العم الدكتور عبد الودود ولد الشيخ الذي أشترك و إياه الجد الثالث، عندما قال في محاضرة له في نواكشوط : “أنا لا قبيلة لي”. و المقصود هنا طبعا القبيلة في دلالتها كعصبية توزع الغنيمة و تؤمن الحياة و المكانة و النفوذ. لدي رأي سياسي موال أحيانا و معارض أحيانا أخرى، و لي أهلون و رحم، لكنني لم أستخدم أيا من ذلك في تحصيل حقوق أو مطالب شخصية، و اعتقد أن ذلك مزر أخلاقيا و غير مستقيم قانونيا.
أحمد الله أنني أنهيت كل مراحل تعليمي في موريتانيا و هنا في نواكشوط. و ترشحت للاكتتاب أستاذا للفلسفة و دخلت الوظيفة عبر المسابقة الخارجية عام 1991. و في عام 2007 شاركت في المسابقة الداخلية لاكتتاب 15 مستشارا للشؤون الخارجية بأقدمية لا تقل عن 15 سنة من الخدمة في فئة (أ) طويلة من أسلاك الوظيفة العمومية، فأعيد ترسيمي في السلك الجديد برتبة مستشار أول درجة خامسة، و ترقيت إستحقاقيا إلى الدرجة السادسة في العام 2009، و تلك هي قمة الترتيب في سلك مستشاري الشؤون الخارجية. و بتوفيق من الله لم يسهل لي التعيين في البعثات الدبلوماسية و لا في الرتب العليا في الإدارة المركزية طيلة سنوات الجمر في وزارتنا حيث كان الكل بالوساطة و المحسوبية، و حيث كان أبناء الأسلاك الدبلوماسية و القنصلية مقصيين و غرباء في وزارتهم. و ملوك القطاع الشرعيين هم كل من دخل عبر النافذة أو عبر اتصال هاتفي من جهة ما.
و عندما قررت الوزارة لأسباب كثيرة من أهمها تزايد أعداد الدبلوماسيين المهنيين تعيين عدد معتبر في الخارج، سمع الجمهور اسمي في مجلس الوزراء مديرا مساعدا للتعاون الدولي. و طيلة 7 سنوات قمت بمهمتي مديرا مساعدا و لفترة معتبرة قائما بأعمال المدير العام، في قيادة إدارة كانت في تلك الفترة تسير ما يصل إلى 65% من بريد الوزارة و ملفاتها. القليلون يعرفون أن الوزير يومها – سامحه الله – حرصا على إقصائي من التعيين الخارجي مع التغطية على ذلك، إقترحني في ذلك الموقع الذي يقل تعويضه 7 مرات عن أقل تعويض لأحد زملائي المعينين عام 2013. و قد كثر الحديث أيامها عن دخولنا عصر الوساطة في التمييز بين المهنيين، بعد أن انتهى عصر الوساطة للتمييز ضد المهنيين.
اللهم إنك تعرف كم أنا فخور بالإقصاء و التهميش في ظل شروط تلك الأيام، و “الزمكة” من كعكة كتلك. و تعرف كم كنت سعيدا بتعييني دون توقع و لا تدخل و لا وساطة عام 2020 في بعثتنا الدبلوماسية في أبيدجان، بعد أن بدأ قطاعنا الوزاري يستسلم لما يمليه عليه الواجب المهني و متطلبات المهمات الموكلة إليه، من الاعتماد على أهل الخبرة و الاختصاص، و الاحترام لمقتضيات النصوص الخاصة بالتناوب الدبلوماسي.
بينما كان الأصل أن لا يتم تعييني إلا مستشارا أول بما لدي من أقدمية و من صفة مدير مركزي مساعد، أو على الأقل ترقيتي إلى هذه الرتبة بمجرد مضي 3 سنوات، تتابعت أمامي لوائح عديدة للترقية لا تحترم أية معايير واضحة. أما اليوم فإن سعادتي مضاعفة، بسبب تأخر هذا الإجراء الروتيني حتى يتم في ظل الشروط الجديدة التي نظم فيها معالي الوزير آلية التناوب الدبلوماسي، و أمر بأن تبرمج جميع التعيينات و التقدمات في الخارج و في الإدارة المركزية، وفقا لمعايير عادلة و مهنية.
في حالتي، تجدون مثالا لموظف عمومي يتمتع بقواه العقلية الطبيعية، عاش حياته ككل الآخرين و لم يمت جوعا، و لم يتورط في فساد، و استفاد مما كتبه الله له من حقوقه. الفساد و الوساطة و المحسوبية ليست شرطا للحياة و لا للبقاء. الحمد لله نستعد للتقاعد في موعده أو قبل الموعد – إن أمكن – مرفوعي الرأس، و نعيش بسعادة و نعيم هي أكثر مما نستحقه على ربنا جل و على.
و في البعد الثاني أقول : تحية مكررة للنهج المعتمد حاليا في وزارتنا من حيث تكليف المهنيين بمهمات القيادة و الدبلوماسية في قطاعهم و تخصيص الأسلاك البينية و العمال غير الدائمين للوظائف الإدارية و الفنية. و تحية أكبر لما تم اعتماده من آليات للتناوب الدبلوماسي حتى و إن اقتضت عودتي أنا إلى الداخل منتصف العام القادم. المعايير و القواعد العامة ينبغي أن تكون فوق الجميع و على الجميع الخضوع لها بكامل السعادة و راحة البال.
لكنني لن أفوت الفرصة لتذكير الجميع بأنه ريثما تصل الوزارة إلى مرحلة أكثر تقدما و احتراما للقواعد البيروقراطية الأصيلة في التقدمات الإدارية، ينبغي على الجميع إدراك أن “صفة المستشار الأول بالسفارة” لا ينبغي أن تعامل كرتبة أعلى بحد ذاتها، مقارنة بالمستشار الثاني، ما دمت تجد مستشارا مثلي، حصل على رتبة مستشار أول من الرتبة الأعلى التي تؤهله للتقدم إلى رتبة وزير مفوض منذ 16 سنة، و وصل إليها بمسابقة داخلية بعد أن شغل وظيفة عامة موازية في سلك آخر من أسلاك الوظيفة العمومية لمدة 15 سنة قبل ذلك، و يجد نفسه مستشارا ثانيا، وسط عدد كبير من المستشارين الأول غير المصنفين وظيفيا ضمن الموظفين المرسمين أو ضمن موظفي الأسلاك الدبلوماسية و القنصلية، أو المصنفين في الأسلاك الدبلوماسية و القنصلية برتب أقل منه بعدد كبير من الدرجات. و من يلقي نظرة على أرقام الدليل المالي في صفحة المذكرة المرفقة و التي ورد فيها اسمي، سيلاحظ بسهولة الخلل، حيث يجد دليلي المالي و بدايته 59، محاطا بعدد كبير من الأدلة المالية التي تتراوح بداياتها ما بين ال90 و ال100 فما فوق.
و أعتقد أن مفتاح حل هذا النوع من الإختلالات يكمن في تنشيط اللجنة المتماثلة الأطراف، التي تنص القوانين على انعقادها سنويا خلال شهر نوفنبر، لدراسة التقدمات و اعتمادها. و هي لجنة يحتاج تفعيلها إلى تحديث نصوصها التنظيمية، و رقمنة المعطيات الخاصة بالمسارات المهنية للموظفين، لتسهيل الانسيابية و التلقائية في العمل.
و شخصيا أطالب بعقد هذه اللجنة في موعدها هذه السنة، و إلغاء الشكليات الإدارية غير المبررة، من مثل التنقيط الإداري. فالتنقيط الإداري يكون له معنى إذا كان تنقيطا يمنحه المسؤولون دوريا بناء على المعطيات الميدانية للعمل، مع رفعه سنويا إلى إدارة المصادر البشرية. أما ما نراه اليوم فهو زيارة المعنيين لمنازل مسؤولين بعضهم تقاعد منذ سنوات، مطالبين منهم منح نقاط فلكية، و بالطبع سيفعلون، و لن يكون هنالك فرق. و الأدهى في المسألة أن إدارة المصادر البشرية تعرف أن المسؤول منح الدرجة استجابة للطلب و العاطفة الشخصية، و أنه في وقت منحه لها خرج من موقع المسؤولية أو تقاعد، إن لم يكن قد توفي. هذا التنقيط يفترض أن يتولاه الأمين العام شخصيا باعتباره المسير الحقيقي و الميداني للمصادر البشرية و المالية، و معه المدير المكلف بالمصادر البشرية. و بحكم المسؤولية و السلطة التقديرية و المتابعة الميدانية لموظفي القطاع، يحق لهم منح تنقيط تقديري، ريثما تصبح هذه الآلية روتينية و اعتيادية في العمل السنوي للإدارات و البعثات الدبلوماسية.
علينا أن نضيف أن تطبيق المعايير و القواعد العامة سيضمن العدالة، لكنه سيضمن كذلك الفعالية و النجاعة في تحقيق الأهداف المطلوبة. إن المعايير ستؤمن للوزارة ضخ دماء جديدة قادرة على مواكبة عصر التواصل الاجتماعي و عصر الرقمنة و الذكاء الاصطناعي، و المهمات المتزايدة و التحديات و النوازل المتكاثرة أمام الدبلوماسية الوطنية. و الشكر لله على أن هذه الدماء الجديدة هي ما رأيته عيانا في مباني وزارتنا، و كنت أسعد ما أكون به، في زيارتي أخيرا للوزارة، على هامش الدورة الأولى للمشاورات السياسية الموريتانية الإيفوارية.
دعواتي بالتوفيق و النجاح للكوكبة من شباب الدبلوماسيين المهنيين، الذين أفخر بأنني كنت من بين الأقلية في قيادات الإدارة المركزية الذين أطروا خطواتهم الأولى في مكاتب و أروقة الوزارة، في جو من الثقة التامة بهم و بقدراتهم. و فرحتي اليوم كبيرة لأنهم لم يخيبوا الظن بهم، لا في مصالح الوزارة و لا في البعثات الخارجية. و أنا متأكد أنهم لن يخيبوا الظن بهم في عملهم في المناصب القيادية في الإدارة المركزية التي تولوها أخيرا. و لن تكون الكوكبة الشبابية التي عينت لتوها في المصالح و الأقسام إلا بنفس المستوى من التميز و الأداء.
محمد الامين ابتي



