الإعلامي محمد محمود ولد أبو المعالي يكتب : موريتانيا.. حصاد اتقاء “العدوى الإقليمية”.

ليس من نافلة القول ولا حديثا يفترى، القول إن موريتانيا تعيش اليوم خصوصيات تراكمت وبرزت خلال السنوات الماضية، عبر رزمة استراتيجيات وسياسيات ورؤى انتهجتها ورسمت ملامحها كقوة هادئة ودولة حانية، ولعل أول هذه الخصوصيات وأهمها القدرة على تفادي “العدوى الإقليمية” في منطقة يعتبر غياب الأزمات فيها مكسبا سياسيا ووطنيا، بل إنجازا وجوديا لا ريب فيه، فنحن في محيط ترتج فيه كيانات الدول وتنخر الفتن والاضطرابات أساساتها الوجودية، وتمور بالفوضى ويطحنها العنف الأعمى طحنا، ويعيش بعضها الآخر على وقع الأزمات السياسية العاصفة، فعلى حدودنا الشرقية والشمالية وما جاور جوارها، تتصاعد ألسنة لهب الحروب الأهلية ودوامة القتل الديني والعرقي والإجرامي، وتهتز العواصم والمدن والقرى تحت وطأة هجمات ضارية لا تبقي ولا تذر، وعن الشمال الغربي تحصد نيران التراشق بالقصف والمسيرات الأرواح وتعصف بحالة السكون والهدوء، وجنوبا تتفاقم أزمة سياسية متصاعدة، تبدو في ظاهرها صراعا بين سلطة تنفيذية وأخرى تشريعية، في تجل من أعقد تجليات اللعبة الديمقراطية، لكنها تحشر ذلك البلد في عنق زجاجة الصراعات الشخصية الضيقة، وتنشب أظافرها في حناياه اقتصاديا وسياسيا، وتقوده ـ لا قدر الله ـ إلى فوهة المجهول.

 

أما في هذه الربوع فقد أثمرت الخيارات السياسية حالة من التهدئة والسكينة، بعيدا عن الشحناء والتنابز بأبشع الأوصاف وأقذع الاتهامات والفجور في الخصومة كما أسلفنا في خوالي سنيننا، وخاض الفرقاء ويخوضون اليوم خلافاتهم البينية بهدوء ولغة وقار ورزانة، لا صخب فيها ولا هرج ولا مرج، إلا من أوتي ملكوت القذع والثلب والسب، فله بضاعته المزجاة، وكل ينفق مما عنده، غير أن سوادنا الساحق يدير خلافاته السياسية بلغة الشركاء لا بعصبية الخصماء، ويتراوح سقف المطالب هنا بين بعض ضروريات الحياة اليومية التي يتم العمل عليها بهدوء بعيدا عن الضوضاء والأضواء، وبين بعض الكماليات السياسية التي يتم تبادل الأفكار بشأنها في سجال ديمقراطي رزين، ويجري التحضير للحوار حولها.

 

ووسط هذا الجو الهادئ في محيط من العواصف الهوجاء، تحول بلدنا رويدا رويدا من بقعة ترابية على خريطة جغرافية لا ناقة له في المجامع الدولة، ولا جمل في المحافل الإقليمية، إلى مركز تأثر وتأثير في المنطقة، خصوصا في ملفات الأمن والهجرة والطاقة ومحاربة الهشاشة الاجتماعية والحنو على الفئات المستضعفة وذوي الخصاصة والفاقة، معتمدا في ذلك على كسب مزيد من الوقت بالاستقرار والهدوء، وفي رهان رابح لا شية فيه على استغلال الزمن بعيدا عن الضجيج والخوف والجزع، وخرجنا من قمقم المحاور الدبلوماسية الضيقة شيئا فشيئا إلى رحب دبلوماسية متوازنة لا شرقية ولا غربية، ذات مواقف معتدلة وسطية، من أبرز سماتها القدرة على تفكيك الأزمات وإخماد نيران الشحناء والتوتر مع الجيران والأشقاء والأصدقاء، ورفع اسم بلدنا وأسماء أبنائه في منافسات السباق على قيادات الهيئات الإقليمية والدولية ومراكز صنع القرار العالمية، تأسيسا على مبدأ الثقة الذي يعتبر أهم رأس مال في السياسة والدبلوماسية، وتعزيزا لصورة البلد كشريك دولي وإقليمي مستقر جدير بالثقة والتقدير والاحترام.

 

محمد محمود أبو المعالي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى