سبع سنوات.. وفي السبع سر لا يعلمه إلا الله.

انقضت حتى الآن سبعة أعوام من حكم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، تناولها السياسيون والكتبة والمدونون وآخرون من دونهم، تقيما لحصيلتها وسبرا لأغوارها، فتراوحت تقييماتهم وتخميناتهم بين “سبع سنبلات خضر وأخر يابسات”، كل يرى من زاوية موقفه وموقعه السياسي.
بيد أن جانبا من تلك الحصيلة لا مراء فيه ولا شية في حقيقته البادية الجلية، لم يحظ بتسليط الضوء الكافي عليه تقديما وتقييما، ويتعلق الأمر بحصاد سبعِ سنين دأبا من مقاربة البقاء بعيدا عن “العدوى الإقليمية” التي يرمي جوارها بشرر كالقصر، على مختلف جبهات حدودنا وحدود جيراننا، فأينما يممت وجهك فثم خلاف واقتتال وتهارج فتاك، ومع ذلك ها نحن اليوم نسائل سبعة أعوام من الأداء الداخلي تنمويا وتعليميا واقتصاديا واجتماعيا وبنى تحتية وغيرها، نحصيها عدا، ونبرزها جملة وتفصيلا، لكن هل سأل سائل عن حالة الهدوء التي منحتنا فرصة المنجز، حتى نختلف في عده وتقييمه وترتيب الأولويات فيه، ألا ندرك أنه على مرمى حجر منا جيران يرون في نقاشاتنا السياسية ترفا وفائض استقرار وهدوء، هو بالنسبة لهم حلم طاول عنان السماء ومناطَ الثريا، فعن شرقنا وشرق شرقنا يضج الأفق القاتم بقرقعة السلاح ولعلة الرصاص، ودخان الحرب يغشى الناس ويفنيها، وعن شَمالنا ينهار وقف إطلاق النار، فلا صوت يعلو فوق تفجيرات المسيرات والتراشق بالقذائف، وذات الجنوب منا تتفاقم أزمة سياسية خانقة بين السُلط المتصارعة في قمة هرم الدولة، يقرأها بعضنا تجليا من تجليات الديمقراطية، ويرونها مجرد صراع سياسي بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، غير أنها في حقيقتها أزمة سياسية خانقة تدفع بذلك البلد المنهك بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية نحو مزيد من الاحتقان، في ظل صراع الإرادات الشخصية، وتسحبه نحو الأفق المجهول اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.
أما بلادنا فقد استطاعت ـ ولله الحمد ـ خلال سبعة أعوام أن تمخر عباب بحر لجي من الفوضى وحالة الاضطراب والفتن التي لا تبقي ولا تذر من حولها، وحجزت لنا متسعا خارج دائرة النار التي تحيط بنا من كل مكان، فأصبحنا بحبوحة أمن واستقرار تأوي إليها أفئدة الطامحين إلى السكينة والحالمين بالهدوء والأمان.
أما حالة التهدئة السياسية التي عرفنها، فقد رفعت شأن السجال السياسي بيننا من خصومة الخصماء إلى حوار الشركاء، وسمت بمستوى الخطاب السياسي عن الغوص في حضيض مستنقعات الشحناء والبغضاء والتنابز بأبشع الأوصاف، إلى لغة النقد السياسي البناء والمجادلة بالتي هي أحسن، إلا بعضا من المُنبَّتين ممن ابتلاهم الله بالفجور في الخصومة، فلهم بضاعتهم المزجاة وخطابهم المتشنج الذي لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.
إنها سبعة أعوام من العمل على بصيرة من الأمر وبعد نظر، للبقاء بعيدا عن عين الإعصار، رغم قَدَرية الجغرافيا الأزلية التي لا مناص منها، ورغم سعي بعض الجيران إلى الاستفزاز والإغاظة، ورغم الجو الماطر والإعصار.. لكن للتؤدة والحكمة ثمارهما التي لا تخطئ الشعوب طيب جناها، كما للتهور والرعونة ثمارهما ذوات الأكل الخمط والأثل، وشيء من الهلاك والثبور.
محمد محمود أبو المعالي



