حقائق مؤلمة عن مستشفي الكسور في نواكشوط

حكومة تنفق مئات المليارات ومستشفى الكسور يعاني من نقص حاد في غرف العمليات (وطفلة في السادسة تنتظر ساعات لإجراء عملية مستعجلة )
نقص غرف العمليات وطوابير الدفع والانتظار.. عندما تتحول رحلة العلاج إلى معاناة إضافية للمرضى
لم تكن ليلة الأربعاء بالنسبة لنا مجرد ليلة عادية، فقد تعرضت الطفلة أم الخوت، البالغة من العمر ست سنوات، لكسر واضح في جناحها الأيسر، ما استدعى نقلها بشكل عاجل إلى مستشفى الكسور في نواكشوط.
حملنا الطفلة إلى المستشفى، ووصلنا إلى قسم الحالات المستعجلة في حدود الساعة العاشرة ليلًا، وكنا نعتقد أن حالة طفلة في هذا العمر، تعاني من كسر واضح وتحتاج إلى تدخل طبي، ستكون محل أولوية في العلاج.
لكن الرحلة بدأت من طابور الصندوق.
طُلب منا إجراء الأشعة أولًا، ثم التوجه إلى الصندوق لدفع المستحقات. وهناك وجدنا طابورًا طويلًا، قبل أن نُبلغ بأن الدفع عبر التطبيقات غير متاح، وأن الدفع يجب أن يكون نقدًا.
عدنا إلى الطبيب، وطرحنا عليه سؤالًا بسيطًا: كيف يمكن لمريض في حالة مستعجلة أن ينتظر كل هذا الوقت من أجل إجراءات الدفع، قبل أن يحصل على العلاج أو الإسعافات اللازمة؟
مرت الساعات، واقترب الوقت من منتصف الليل، قبل أن تظهر نتائج الأشعة، التي أكدت وجود كسر يحتاج إلى عملية جراحية.
لكن المفاجأة الأخرى كانت أن برنامج العمليات قد اكتمل، وأن العملية لن تجرى في تلك الليلة، رغم وصف الحالة بأنها تحتاج إلى تدخل مستعجل.
طلب منا الطبيب إبقاء الطفلة صائمة بعد منتصف الليل والعودة بها صباحًا، على أمل أن يتغيب أحد المرضى المبرمجين للعملية، فتدخل مكانه.
عدنا صباحًا، وفي حدود الساعة العاشرة اجتمع الأطباء، ليُبلغنا مشرف غرف العمليات بضرورة إفطار الطفلة والانتظار إلى صباح اليوم التالي.
رفضنا إفطارها، وتمسكنا بانتظار فرصة لإجراء العملية، خصوصًا أن الطبيب الجراح، جزاه الله خيرًا، طلب منا الانتظار حتى منتصف النهار، موضحًا أن غياب بعض المرضى عن العمليات أمر يحدث في كثير من الحالات.
وبعد ذلك بدأت رحلة جديدة مع الإجراءات والطوابير، وهذه المرة من أجل دفع تكاليف العملية، التي تجاوزت 100 ألف أوقية.
وبعد منتصف النهار، حالفنا الحظ، ولله الحمد، وتم إدخال الطفلة إلى غرفة العمليات وإجراء العملية.
مئات المليارات تُنفق.. والمرضى ينتظرون دورهم
وخلال ساعات الانتظار، تحدثنا مع عدد من مرافقي المرضى، وكانت المفاجأة أن بعضهم قال إنه ينتظر دوره لإجراء عملية منذ عدة أشهر.
هذه التجربة تفتح الباب أمام سؤال أكبر من حالة طفلة واحدة.
كيف يمكن أن يعاني مستشفى الكسور في نواكشوط، وهو المستشفى الوحيد المتخصص في هذا المجال بالعاصمة، من نقص حاد في غرف العمليات، إلى درجة أن المرضى، بمن فيهم أصحاب الحالات المستعجلة، ينتظرون شغور مكان في برنامج العمليات؟
وكيف يمكن أن تتداخل مواعيد العمليات المستعجلة مع غير المستعجلة، في ظل محدودية غرف العمليات، بما قد يعرض بعض المرضى لمضاعفات نتيجة تأخر التدخل الجراحي؟
أين تذهب مليارات القطاع الصحي؟
هنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كانت الحكومة قد أنفقت 18 مليار أوقية على تقسيمات هزيلة وركيكة وغير مدروسة ، فلماذا لا تزال غرف العمليات غير كافية، ولماذا يضطر المرضى إلى الانتظار في طوابير طويلة لأشهر؟
والسؤال لا يتوقف عند مستشفى الكسور.
فخلال السنوات السبع الماضية، أُنفقت مئات المليارات على برامج ومشاريع حكومية، من بينها 300 مليار أوقية على وكالة تآزر، وفق الأرقام المتداولة، ومع ذلك لا تزال شكاوى المواطنين تتكرر بشأن واقع المستشفيات ونقص التجهيزات والخدمات.
مرضى السرطان يعانون، ومرضى الكلى ينتظرون، ومرضى آخرون يقفون في طوابير طويلة بانتظار العمليات.
المشكلة إذن ليست في حجم الأموال التي تُعلن الحكومة عن إنفاقها، وإنما في مدى انعكاس هذا الإنفاق على المواطن داخل المستشفى.
فالمواطن لا يريد أرقامًا ضخمة تُعلن في البيانات الرسمية، بقدر ما يريد مستشفى مجهزًا، وغرفة عمليات متاحة، وطبيبًا قادرًا على التدخل في الوقت المناسب، وإجراءات لا تضيف إلى آلام المريض معاناة أخرى.
18 مليار أوقية لم تمنع طفلة في السادسة من الانتظار ساعات طويلة لإجراء عملية مستعجلة.. فهل المشكلة في حجم الإنفاق، أم في طريقة إنفاقه وتوجيهه .
أخبار الوطن ً تحرير الصحفي ً آبيه محمد لفضل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى