بالأرقام والنتائج… لماذا تبدو حصيلة الشيخ ولد بده في «تآزر» أفضل من أداء المندوب الحالي؟

لا ينبغي أن تُقاس حصيلة المسؤول بعدد الزيارات التي قام بها، ولا بحجم التغطية الإعلامية المصاحبة لأنشطته، وإنما بما أطلقه من برامج، وما أنجزه من مشاريع، وما تركه من أثر مستدام في حياة المواطنين. ومن هذا المنطلق، تكشف المقارنة بين فترة المندوب العام السابق للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء «تآزر»، الشيخ ولد بده، وفترة المندوب الحالي سيدي ولد مولاي الزين، عن تفوق واضح للأول حتى الآن من حيث المبادرة ونوعية البرامج وقوة الحضور التنموي.
لقد تولى الشيخ ولد بده إدارة «تآزر» في أغسطس 2024، واستمرت مهمته إلى أكتوبر 2025. وعلى الرغم من قصر هذه الفترة، فقد نجح في إعطاء عمل المندوبية زخماً جديداً، ونقل تدخلاتها من مجرد تقديم المساعدات الاجتماعية الظرفية إلى إطلاق برامج تسعى إلى إحداث تحول تنموي مستدام.
«تعمير»… برنامج يحمل بصمة المرحلة السابقة
يُعد إطلاق برنامج «تعمير – مدن تآزر» أحد أبرز الإنجازات التي ميزت فترة الشيخ ولد بده. فلم يكن البرنامج مجرد عملية لتوزيع مساعدات نقدية أو غذائية، بل قُدّم بوصفه مشروعاً وطنياً متكاملاً يستهدف مكافحة الفقر، وتحسين أوضاع الأحياء الهشة، وتوسيع النفاذ إلى الخدمات الأساسية، وتعزيز الاندماج الاقتصادي والاجتماعي للفئات الأكثر احتياجاً.
كما عمل المندوب السابق على عقد لقاءات تشاورية موسعة في ولايات ومقاطعات عديدة، شارك فيها المنتخبون والسلطات المحلية والشباب والنساء والمجتمع المدني، بهدف تحديد الأولويات الفعلية للسكان، وربط تدخلات المندوبية بحاجاتهم المباشرة.
وقد تميزت هذه المقاربة بالانتقال من القرارات المركزية الجاهزة إلى التخطيط القائم على التشاور والاستماع للمواطنين، وهو ما منح برامج «تآزر» خلال تلك المرحلة بعداً تنموياً أكثر وضوحاً.
مشاريع محددة وليست مجرد وعود عامة
خلال فترة الشيخ ولد بده، عُرضت برامج استعجالية محددة الميزانيات والآجال، من بينها البرنامج الاستعجالي للنفاذ إلى الخدمات الأساسية في ولاية كوركل، الذي وصلت ميزانيته المعلنة إلى 28.4 مليار أوقية قديمة، وشمل بناء 877 حجرة مدرسية، إلى جانب ترميم منشآت تعليمية وتنفيذ مشاريع خدمية أخرى.
كما شهدت فترته تدشين مدارس مكتملة، وتوزيع تحويلات نقدية على الأسر الهشة، وتوفير خزانات المياه، وبطاقات التأمين الصحي والنقل المدرسي، ودعم البلديات بوسائل تساعدها في تقديم الخدمات للمواطنين.
ولم يقتصر عمله على التدخلات اليومية؛ إذ قدّم أمام المجلس الأعلى للتوجيه الاستراتيجي لـ«تآزر» تقريراً عن حصيلة أنشطة المندوبية، وأسهم في إعداد واعتماد الخطة متعددة السنوات للفترة 2025–2029. وهذا يعني أن عمله جمع بين الاستجابة العاجلة لحاجات المواطنين والتخطيط المؤسسي للسنوات المقبلة.
المندوب الحالي… تنفيذ لما سبق أكثر من إطلاق الجديد
منذ تولي سيدي ولد مولاي الزين إدارة «تآزر» في أكتوبر 2025، تركز حضوره بصورة كبيرة على الزيارات الميدانية، وتفقد المنشآت، والاجتماع بالشركات المنفذة، والإشراف على توزيع المساعدات.
ولا يمكن إنكار أهمية متابعة المشاريع والضغط من أجل احترام الجودة والآجال، كما لا يمكن التقليل من أهمية عملية «عون» التي استفادت منها مئات الآلاف من الأسر من خلال التحويلات النقدية والسلال الغذائية.
لكن السؤال المطروح هو: ما البرامج التنموية الكبرى الجديدة التي أطلقها المندوب الحالي وتحمل بصمته الخاصة؟
إن جزءاً مهماً من المشاريع التي يتابعها اليوم تم التخطيط له أو إطلاقه خلال فترة الشيخ ولد بده، وخاصة برنامج «تعمير» والبرامج الاستعجالية للنفاذ إلى الخدمات الأساسية. وبالتالي، لا يجوز تقديم استمرار تنفيذ هذه المشاريع على أنه بداية جديدة منفصلة عن عمل الإدارة السابقة.
أما عملية «عون»، فعلى أهميتها الاجتماعية، فإنها تظل عملية مساعدة مباشرة مرتبطة بظروف معيشية محددة، ولا يمكن وحدها أن تعوض المشاريع التنموية المستدامة القادرة على توفير التعليم والمياه والعمل والسكن والتمكين الاقتصادي.
الفارق بين صناعة البرامج وإدارة الأنشطة
تكشف المقارنة أن الشيخ ولد بده كان أكثر حضوراً في مجال صناعة البرامج ووضع التصورات وإطلاق المبادرات التنموية، بينما يبدو أن المندوب الحالي يركز بدرجة أكبر على إدارة البرامج القائمة، ومتابعة المنشآت، وتوزيع المساعدات، وتنظيم الزيارات الميدانية.
وهنا يظهر الفرق بين مسؤول يترك وراءه برنامجاً وخطة ومشاريع تحمل بصمته، ومسؤول يدير ما وجده قائماً، حتى لو أحسن متابعة بعض جوانبه.
فالزيارات مهمة، والتصريحات ضرورية، وتوجيه الإنذارات إلى الشركات أمر مطلوب، لكن المواطن ينتظر قبل كل شيء منشآت مكتملة، وخدمات فعلية، وفرصاً اقتصادية، وبرامج جديدة قابلة للقياس.
الأرقام الحالية حصيلة تراكمية وليست إنجازاً شخصياً
من الضروري أيضاً التعامل بحذر مع الأرقام التي يتم الإعلان عنها حالياً بشأن عدد المستفيدين من برامج «تكافل» أو التأمين الصحي أو المنح أو السجل الاجتماعي؛ فهذه الأرقام تمثل حصيلة تراكمية لعمل «تآزر» منذ تأسيسها، وليست نتيجة الأشهر القليلة التي قضاها المندوب الحالي في منصبه.
كما أن بعض المشاريع التي يجري تدشينها أو تفقدها اليوم مرت قبل ذلك بمراحل الدراسة والتمويل وإعداد الصفقات، وربما انطلقت أعمالها في عهد الإدارة السابقة. والإنصاف يقتضي منح كل مرحلة ما تستحقه من المسؤولية والفضل.
حصيلة ترجّح كفة الشيخ ولد بده
استناداً إلى المعطيات المنشورة، تبدو حصيلة الشيخ ولد بده أفضل حتى الآن من حصيلة المندوب الحالي، ليس بسبب طول الفترة، فقد كانت فترة الأول قصيرة أيضاً، وإنما بسبب كثافة المبادرات التي أطلقها، وتنوع تدخلاته، والجمع بين المساعدات الاجتماعية والمشاريع التنموية والتخطيط الاستراتيجي.
لقد ترك الشيخ ولد بده خلفه برنامج «تعمير – مدن تآزر»، وخطة عمل للفترة 2025–2029، وبرامج استعجالية جهوية، ومقاربة تشاورية ربطت تدخلات المندوبية بالأولويات المحلية. أما المرحلة الحالية، فما زالت في جانب كبير منها تستثمر البرامج والخطط التي أُعدت قبلها، دون أن يظهر حتى الآن مشروع جديد بالحجم نفسه يحمل بصمة المندوب الحالي.
ولا يعني هذا إغلاق باب التقييم أمام الإدارة الحالية؛ فما زال أمامها الوقت لتقديم برامجها الخاصة وتحقيق نتائج يمكن قياسها. لكن الحكم المهني يجب أن يستند إلى ما تحقق فعلاً، لا إلى ما يُعلن عنه فقط.
ووفق هذا المعيار، فإن الكفة تميل بوضوح حتى الآن لمصلحة الشيخ ولد بده، الذي أثبت خلال فترة محدودة أن قيمة المسؤول لا تُقاس بطول بقائه في المنصب، وإنما بما يتركه من مشاريع وخطط وآثار ملموسة بعد مغادرته.


